ينتابنا الأسى على الشابين، معاذ الحاج الذي مات وحيداً منعزلاً متروكاً بلا سند، ومهند يونس الذي انتحر وهو يعلن للملأ أنه سينتحر مثل حكاية سينمائيةٍ نشاهدها، وليس في مقدورنا درء هذا المصير البائس، ولا الذود عن الروح المعذبة والمتوثبة إبداعاً.

أمام الموت، نزعل على الذين ماتوا صغاراً أكثر من زعلنا على الذين ماتوا كباراً، فنحن نُجمع في الوعي واللاوعي على أن الذين ماتوا كباراً شبعوا من الحياة وبهجتها، والذين ماتوا صغاراً أخذهم الموت باكراً وبعيداً عن تلك البهجة التي يسعى إليها البشر، مهما اختلفوا واختلفت ظروفهم ومصائرهم. ويكون زعلنا مصحوباً بالغضب والخيبة والقهر، عندما ينتحر شابٌ أو فتاة في بداية العمر، وبالدهشة والحزن والفجيعة، عندما يقدم على الانتحار رجلٌ أو أمرأة كهلان. ونروح نسأل عن الأسباب التي تدفع إلى الانتحار في الحياة العائلية، وفي بيئة العمل وظروف الحياة، وربما نسأل عن الواقع السياسي المحيط. وقليلاً ما نسأل أنفسنا إن كان الحزن يأتي فقط من عدم توفر الشبع والامتلاء والحظ الحسن في امتلاك البهجة النابعة من الظروف المذكورة.
منذ عام 1910، أخذت ظاهرة الانتحار اهتماماً مكثفاً من علماء النفس في تفسيرها، تبعاً للمفاهيم المتعددة للتحليل النفسي للظاهرة، وكتبت الآف الكتب عن الانتحار. وعقدت جمعية التحليل النفسي في فيينا أول مؤتمر لها في ذلك العام لمناقشة الموت اختياراً، حضره رهط من علماء النفس آنذاك، في مقدمتهم مؤسس علم التحليل النفسي، سيغموند فرويد، والذي كان طرح قبل ذلك بسنوات بعض الأفكار حول الانتحار في كتابه “تفسير الأحلام”. عندما كان فرويد وجماعته يناقشون الإيغو وعلاقته بنفسه وبالآخر، ويناقشون الإضطرابات النفسية التي يعيشها المنتحر، وعلاقته بمن يحيطه من ناسٍ يحبهم ويكرههم في الوقت نفسه، وانعكاس هذه العلاقة المضطربة على ذاته حباً يصل، في حدوده القصوى، إلى النرجسية، أو كراهيةً قد تصل بها إلى نزعة سادية تدفعه إلى إنزال أشدّ عقوبة بمن يحبهم، وهي الفجيعة والحزن المدمر طموحاً في زرع أبدي في نفوسهم للشعور بالذنب.
عندما كانوا يناقشون كل هذه المسائل العلمية والفلسفية، لم تكن غزة قد دخلت بعد في هاويةٍ لا قرار لها، ولم تكن قد أصبحت بعد المكان الأبرز لصناعة الكآبة وانكسار الأرواح. ولم يكن هناك في العالم منطقة جغرافية أشد كثافة سكانية من غزة، وأشد حصاراً منذ أكثر من عشر سنوات، ولم يكن في مخيلة فرويد وجماعته ما يفيد بأن غزة ستكون دريئة للحروب والدمار والقتل، وأنها ستحكم في القرن الواحد والعشرين بالنص الديني والتحريم والمنع والقمع ووضع الحدود أمام انطلاق الأرواح في فضاء الانعتاق للمخيلة والإبداع والحياة. ولم يكن فرويد، في الوقت عينه، يدرك هشاشة الحكم وتفسّخه في رام الله، وتأثيراته على أهل غزة في انقطاع الأمل والشعور الكئيب بالترك والإهمال والحشر في زوايا المجهول واللامبالاة.
ينتابنا الأسى على الشابين، معاذ الحاج الذي مات وحيداً منعزلاً متروكاً بلا سند، ومهند يونس الذي انتحر وهو يعلن للملأ أنه سينتحر مثل حكاية سينمائية، نرى فيها البطل، ونعرف إلام سينتهي مصيره. نشاهد ذلك كله، وليس في مقدورنا درء هذا المصير البائس، ولا الذود عن تلك الروح المعذبة والمتوثبة إبداعاً، لأن الأمر يبدو لنا حكاية سينمائية، تجري فصولها على الشاشة ونحن خارجها.
حكايات الموت في غزة تثير الغضب في النفوس. نسأل، نحن المتفرجين خارج غزة،: ماذا يفعل من بأيديهم الفعل للحفاظ على هذه الزهور المضيئة التي تختفي بالموت في غزة؟ ومن منا يعرف من هم أمثال معاذ ومهند؟ وما هو دور وزارة الثقافة في رام الله ووزيرها الغزاوي في التعريف بهؤلاء، ورعاية إبداعاتهم، وما هو دور اتحاد الكتاب الفلسطينيين؟ هذا إذا سلمنا بأن لا اهتمام للحكم في غزة بالثقافة والمثقفين إلاّ بمدى إزعاجهم سلطة الحكم. نحزن كثيراً على غياب هؤلاء، وعلى الذين سيموتون وحيدين، أو منتحرين، ولا نعرفهم إلاّ بعد موتهم، فنكتب قصائد رثاء تليق بالكارثة.