في روايته الخالدة “مذكرات قبو” كان أديب روسيا العظيم فيودر داستاييفسكي يُخاطِب مجتمعه خاصةً، والإنسانية جمعاء، ويقول: “تجدوننا متى رفعتم وصايتكم عنا”. وهُنا يحتج داستاييفسكي على السُلطة البطريركية الأبوية التي يختزنها كل فرد بداخله منذ أن تتم جمعنته – أي إدراجه كفرد بالمجتمع- ويُصبِح أحد أفراد تلك الحكومات السُلطوية أو عضواً بتلك المؤسسات التي تقود الرأي العام، أو يكون أحد أعضاء الانتلجنتسيا – النُخبة – المأجورة التي تبطل الحق وتحق الباطل، أو أن يكون كاهناً ويتحكم في حياة الناس ومصائرهم باسم الحلال والحرام.

لذا يُصبِح الفرد واصياً على من يقودهم أو على من أناطوه بمهام الأبوة والسيطرة والحكم والقيادة، فيرى المختلفين شواذاً عن قواعد المجتمع، والمتمنطقين متزندقين، ويُلبِس أصحاب الفكر رداء الكُفر، وتُصبِح قيم النقد والجدل والشك والاختلاف – لدى هذا الفرد – تُهماً تزدري الأديان والمعتقدات وعادات وثوابت المجتمع، وتُعتَبَر خروجاً عن الحُكام والأعراف وعصياناً للدولة ومروقاً على عادات وتقاليد المجتمع. وهُنا تُصبِح “الوصـــايـــة” مهمته الرئيسة ورسالته التي يحملها على عاتقه كفرد بالمجتمع.

والوصاية في اللغة هي الولاية على القاصر، وهي أيضاً نظام قانوني لحماية القُصّر ومن لم يبلغوا سن الرُشد، وبلدٌ تحت الوصاية هي دولةٌ ليست لها سيادة وتتصرف في شئونها دولةٌ أخرى. والوصاية هي كل فعل يجعل الفرد مُسَلِماً بالأفكار والرُؤى والثقافات دون استخدام لطاقاته الذهنية والعقلية؛ لاستنباط ومناقشة تلك الآراء والأفكار، ومن ثم اعتناقها والتسليم بها كنتيجة لإعمال العقل بها وتدويرها داخل ذهنه.

وتشمل الوصاية الأيدلوجيات والمعتقدات وكافة التيارات والفلسفات التي تُحَدَد من قِبَل جهةِ ما أو جماعة مًعينة أو أشخاصِ بعينِهِم لتكون تلك التصورات – التي تقرها تلك الجماعات وهؤلاء الأشخاص- بمثابة يقينيات وثوابت لا يجوز مناقشتها والخروج عنها، ويجب العمل بها في كافة أشكال الحياة اليومية.

وهناك عناصر عِدة تُعاضِد سُلطة الوصاية والواصين في أي مجتمع وهي مؤثرات الإعلام والتعليم والثقافية، ومع كل الأسف هذا الثالوث هو ما يُعَوَل عليه لتشكيل العقول وإخصاب الأفهام وتنمية الشخصية الواعية الناقدة المُجادلة لدى أفراد المجتمع، إلا أن هذه العناصر الثلاثة في الأمم التوتاليتارية ـ الشمولية – تتحول لمُسوغ يبرر به الواصون سلطتهم وتزمُتَهم وحقهم في الجور على حريات المُوصَى عليهم.

فيقوم الإعلام بإيصال أفكار مالك القناة التابع بالطبع ـ في هذه المجتمعات – للحالكم الواصي الأكبر للدولة، وكما يقول عالم الاجتماع الكندي مارشال ماكلوهان في نظريته عن “الحتمية التكنولوجية” ـ أهم النظريات الاتصالية في العصر الحديث –  أن الرسائل هي الوسائل؛ أي أن وسائل الإعلام تحمل في ذاتها مضامين ثقافية وفكرية تُتَرجِم رؤية المؤسسة المسئولة عن إدارة تلك الوسائل الإعلامية، ومع أن الرسالة التي يُقدِمها الإعلام تُمَثِل حجر الأساس في ضبط العلاقة بين الثقافة وتكنولوجيا الاتصال، إلا انها تقوم بفرض نمطِ خاصِ من التفكير على أفراد المجتمع، ولذلك فالإعلام يسهم بنصيب غير قليل في إنتاج الثقافة الجماهيرية التي بالطبع تفسد وتُصبِح مؤدلَجة وتُشَكَل من قِبَل مُلاك رأس المال.

أما ما يخص التعليم داخل المدارس والجامعات فليس بأسعد حظاً من الإعلام، بل تقوم تلك المؤسسات التعليمية بكبت كل طاقة في التفكيرخارج الصندوق وكل رغبة في التمرُد على الثابت والمألوف، وكما وصف المُنَظِر البرازيلي باولو فريري هذا التعليم  – في كتابه “تعليم المقهورين”- بـ “التعليم البنكي” على أن عقول الطلاب هي “البنوك” والمعلمون هم المودِعون، فتًثبِت البحوث ـ خاصةً تلك البحوث التي تم تطبيقها على المدارس الإنجليزية والأمريكية – أن الطفل يولد وقدراته الإبداعية تتعدى الـ 90 % إلي أن تقل فتصل إلى 2 % عندما يكون قد أخذ قسطاً وفيراً من التعليم الخاطئ؛ لذا فكثير من العلماء التربويين يرون أن الطفل عندما يبدع ليس نتيجة للتعليم، وإنما رغماً عن التعليم، ومن هُنا ليس من قبيل الصدفة أن يدعو كثير من الرواد والمفكرين كجان جاك روسو وعالم الاجتماع إيفان إيليتش إلى فكرة “اللامدرسية” أي إلى مجتمع بلا مدارس بعد أن فقدت المدارس مصداقيتها؛ لأن تلك النُظُم التعليمية الخاطئة تقوم فلسفتها على منابع المعرفة الثابتة التي تقترن بمناهج عقيمة وأساليب تدريس عشوائية تحصُر عقول الطلاب دائماً في التكرار والحفظ دون مناقشة أو جدل، وتقوم بالتالي بالوصاية على تلك العقول بدلاً من تشكيل عقول نقدية تكون بمثابة السلاح التي تدخل به هذه الأمم القرن الحادي والعشرين.

ومن أهم العوامل التي تعمل على سيادة أدوار الوصاة – ومعاناة الواقعين تحت سيطرتهم – الثقافة والمثقفون ودور النشر، ففي المجتمع الذي يلعب فيه “الواصون” الأدوار الرئيسة تُحتَكَر الثقافة والأفكار والتاريخ والعلوم لفئة بعينها تقوم بالتحكُم في العقول الأخرى وتقوم بتكميم أفواهها وكبت آرائها التي تكون مُخالفة دوماً لاتجاهات الرأي العام، فيقوم الأدباء والمفكرون والمثقفون بحمل القُراء على الثقة بهم بدلاً من فتح لهم المنابر ليفكروا معهم؛ فما أرخص الثقافة إن كانت كفنون السياسة لتصبح وسيلة تعمل على تقييد أفكار الناس وإجبارهم على اكتساب ثقة الحُكام بدلاُ من مهمتها السامية ـ أي الثقافة –  التي يجب وأن تضطلع بها في إيقاظ الرأي العام وإزالة الغشاوات عن العيون والصدأ عن العقول، فيجب وأن تقوم النُخبة بمساعدة الناس على اكتشاف الحقائق والمعارف بأنفسهم لا لأنفسهم حتى لا ينضوي الفرد داخل صفوف الجمهور لينزُل درجات عديدة في سُلَم الحضارة.

وتتخذ الوصاية أشكالاً عدة، بدء من فترة المراهقة التي يُنَصَب في كل مجموعة ـ شِلة – زعيم، مروراً بفتوة الشارع والحارة انتهاء بالحاكم “الواصي الأكبر” و”كبير الوصاة” وتتخلل تلك الوصايات وصاياتٌ أخرى. أولٌها وصاية “الكهنة” أو “رجال الدين” الذين يحكمون على حياة الناس ويتدخلون في اختياراتهم باسم الدين، ويعطلون الاجتهادات ويلتزمون فقط بالنصوص ولا سٌلطة لديهم لتأويلاتٍ أو تفسيرات، وهي الوصاية التي تبرر كافة الوصايات الأخرى كوصاية الحاكم والرجل ..إلخ بصكوك الغفران وتهديدات العذاب والنار التي يوزعونها أينما حلوا، وأينما أتت المصلحة التي تبرر قوتهم وسيطرتهم على الألباب والأذهان هؤلاء الذين لا يقرون بأن تطور العقائد لا يتنافر مع الأيمان؛ ولذلك فما أن تُسيطر المعتقدات والديانات ونوابها ـ الذين يزعمون بأنهم ممثلون للإله على الأرض- فلابد وأن تنتشرالوصاية الفكرية وتشعل جذوتها المرجعيات الماورائية التي تُعثِر الطريق إلى الإبداع والتحرُر من قيود الثوابت واليقينيات السائدة.

وبالطبع تنشأ وصايات أخرى صغيرة كالطبقات الاقتصادية الرأسمالية التي تحتكر الإنتاج والثروة وعرق العمال وجَهد الصناع لتعطيهم الفتات وتحصل هي على أغلبية المكاسب والدخول، ووصاية الأغلبية الدينية على كافة الأديان والمعتقدات لتٌعاني الأقليات والأفراد المُعتنقين لمعتقدات غير سائدة، ووصاية الأحزاب الحاكمة التي تعمل على إقصاء الأحزاب والحركات السياسية الأخرى ليُسمع صوتٌ واحد يبرر سياسة واحدة تُمَجِد حاكماً واحداً، ووصاية الأب داخل الأسرة الذي يضطلع بدورين في السيطرة: على زوجته ـ وإخضاع الجنس الآخر- من جهة، وعلى أبنائه من جهة أخرى؛ فيكون الآمِر الناهي، ولا يٌسْمَع صوت إلا صوته، ولا اختيار إلا بين خياراته لأنه يُنفِق، وأبسط قواعد الاقتصاد تقول أن من لا يستطيع الإنفاق على نفسه لا يتمتع برفاهية اتخاذ القرار ولا حتى إمكانية الاعتراض على وصاية المُنفِق.

وطبقاً لتلك الأنواع من الوصاية تنشأ جدليات يتحكم بها الطُغاة والمسيطرون والمتحكمون في حياة الناس في الناقمين على سيطرة سيطرتهم وعلى قيادتهم  كثنائية الدين والعلم، الأصالة والمعاصرة، التراث أم الحداثة، الشرق المؤمن والغرب المُلحِد، الأغلبية والأقلية، الرجال والنساء ..إلخ

وهناك عوامل كثيرة تُساعِد الواصين على الأفكار والمُسيطرين على عقول الناس، أهمها: الجهل، وانخفاض جودة التعليم، وسياسات الدول التي لا تفصل الأديان والمعتقدات عن أنظمة الحكم ومؤسسات الدولة، وانتشار الأفكار الميتافيزيقية الغيبية التي تُروِج لها بالأساس المؤسسات الدينية التي تتبع دوماً للسُلطان فتكون تلك الأفكار مصدراُ لقوة الظلم وإفقار الشعوب وانتهاك إنسانيتهم، عدم وعي الأفراد بحقوقهم في المجتمع قبل واجباتهم كنتيجة لعدم انضمامهم للمنظمات والجمعيات والأحزاب السياسية، الأمراض والاضطرابات النفسية ـ كالسادية والمازوخية والبارانويا ..إلخ – الناتجة عن الأساليب الأسرية الخاطئة في التربية والقهر داخل مؤسسات العمل والتعليم.

وهناك ظواهر عِدة لابُد وأن تقترن بفلسفة “الوصاية” منها: التقليد وتلك الظاهرة طبيعية في مجتمعات تضرب بقيم الشك والتمرُد والجدل والمناقشة السقراطية الحُرة عُرض الحائط، فيصبح كافة أفراد المجتمع متشابهون ويُجلِد من يختلف ويُتهَم بالكُفر من أعمل عقله وأتى بخلاف المألوف والذي جرت عليه  العادات؛ فالفرد المُختَلِف الخارج عن إطار الدائرة التي ترتكز عليها أفكار العامة والدَهماء منبوذ حتى ينضم إلى الجمهور، وأهم الظواهر التي تُغذيها الوصاية هي إنتاج “المتعصبين” و”المقهورين” الذين يقهرون من هو أقل منهم ممن يمارسون عليهم أدوار الوصاية؛ ففي رواية “الأم” لأديب روسيا مكسيم جوركي رأينا الأم “بيلاجي” تُبَرِر اللكمات التي كان زوجها يوجهها إلى وجهها كل يوم وتقول: “إنه كان لا يضربني أنا بالذات، بل يضرب فيّ كل أولئك الذين يكرههم” وتقصد بيلاجي رؤساء العمل الذين كانوا يقهرون زوجها وزملائه في المصبغة التي كانوا يعملون بها.

وفي رواية “أوليفر تويست” لتشارلز ديكنز كان الطفل “نواه” يحتقر أوليفر ويعامله بقسوة وغلظة وكان يهينه؛ لأنه ربيب الملاجئ وكان يقذفه بأن أمه كانت شريرة وكان مآلُها السجن، وكان صبية المحلات يهينون نواه لأنه كان يرتدي زي مدارس الإحسان والحظ قد جلب له مخلوقاً أقل منه شأناً في المجتمع وقرر أن ينتقم من أوليفر ويرد له الإهانات التي تلقاها من الآخرين. وظواهر أخرى تقترن بالوصاية كالتمسك الشديد بالتراثات، وتماسُها الدائم مع ثلاثية الدين والقانون والعادة.

ولذلك تجد هؤلاء الجلادون المتحكمون في اختيارات الآخرين يتذرعون دوماً بالمصلحة العامة، وبإرشاد الناس وتوجيههم إلى الصواب؛ ولذلك يمنعون الإنسان من حرية الوقوع في الخطأ التي تُصقِل الفرد بالخبرات وتعطي لحياته قيمة ولوجوده معنى. وهُنا لابُد وأن نقول أن خطأ الناس وسقوطهم أحياناً ليس مبرراُ لمنعهم من استخدام عقولهم وكبت شهوات عقولهم في التفكير والحرية والمعرفة، فالتحكًم في العقول لا يمكن أن يكون حصناً لهم من الوقوع في الخطأ،وإلا لماذا أرسل الإله الكُتًب وتباينت التفسيرات وظهرت المدارس الفقهية والفِرق والملل والاتجاهات الفكرية والفلسفات؟ وهل الأجيال التي قامت بالوصاية على عقول جاليليو ونيوتن وفولتير وسقراط وبان سينا وابن رشد عاشت حياة بها رفاهية ويُسر كالحياة التي عاشها خَلَفَهم الذين أقروا تلك الأفكار التي رفضها أسلافهم؟ ولذا لن تجدوننا إلا عند رفع وصايتكم عنا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست