مما لا شك فيه أن السياسة الخارجية الإقليمية والدولية للجزائر يجب أن تكون عنواناً لبحث يدرسه ويتعلم منه معظم القادة والساسة في العديد من الدول العربية والغربية، ونقول هذا بدون أدنى مبالغة أو مزاودة.

هذه الدولة الفتية التي حافظت على مبادئها وتقاليدها ولم تخرج في يوم عن ميثاقها ومعادلاتها الثورية، والأمثلة على ذلك كثيرة، فلقد كانت المساند القوي للقضية الفلسطينية ماديًّا ومعنويًّا، ولم تبخل في يوم عن مساندة هذه القضية بثوبها العلماني الفتحاوي أو بثوبها الإسلامي الحمساوي، واستقبلت معظم القادة الكبار للقضية الفلسطينية بدون أن يستطيع أحد الإعتداء عليهم يومًا بيد السوء كما حصل لهم في بلدان أخرى، ويكفي لتأكيد ذلك تذكر الجملة الشهيرة التي جاءت على لسان الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين عندما قال: “نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة”. كما دعمت معظم حركات التحرر في العالم، وشاركت وساعدت عسكريًّا وسياسيًّا وماديًّا في الحروب العربية-الإسرائيلية كحرب 1967 وحرب 1973.

ورغم العاصفة القوية التي هزت الجزائر خلال العشرية السوداء، إلا أنها وقفت وواجهتها بكل قوة وصلابة، بفضل حنكة سياستها ورجالها ورجال جيشها الأشاوس.

كما ساهمت الجزائر إيجابيًّا في حل العديد من الأزمات الشرق أوسطية، منها إنهاء الصراع بين إيران الشاه مع العراق سنة 1975، وأيضًا الصراع الإيراني الخميني مع العراق سنة 1988، وأيضا تدخلت في علاج الأزمة الداخلية اللبنانية حيث أنها قربت من وجهات النظر عند جميع الفرقاء اللبنانيين.

وظهرت الحكمة السياسية الخارجية للدولة الجزائرية أكثر منذ بداية الربيع العربي سنة 2011 حيث حافظت الجزائر على مبادئها ولم تخرج في يوم عنها.. ووقفت على بعد مسافة واحدة بين جميع الفرقاء في ليبيا وسوريا… إلخ وهي التي حافظت على علاقاتها مع السعودية ومع إيران بالتوازي في نفس التوقيت، واحتضنت قادة الدولتين بالورود فوق أراضيها، وهي التي لم تدخل في أي من الأحلاف الدولية أو الإقليمية التي تشكلت في سوريا أو اليمن أو العراق أو لبنان… إلخ.

الجزائر أيضًا، وقفت على الحياد وعلى مسافة واحدة بين الحكم الإسلامي في مصر والحكم العسكري، ووجدت أن ذلك شأن داخلي يعني مصر والمصريين أولاً وأخيرًا، لم تقبل الجزائر أن تتدخل فيه كما لا تقبل هي أن يتدخل أحد في شؤونها الداخلية، واستقبلت في زيارات رسمية بعض شخصيات حكومة محمد مرسي عندما كان رئيسا، واستقبلت بعده الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في زيارة رسمية عندما تولى الحكم.

تبقى حالة الجزائر فريدة في المنطقة حيث أنها تبدو الدولة الوحيدة (على الأقل في المنطقة) التي لبست ثوبا أبيض ناصعا نظيفا لم يتسخ في يوم من الأيام بدنس الصراعات المحلية والإقليمية الموجودة بين الدول المجاورة، وحافظت على سياسة خارجية تتسم بالاعتدال والوسطية، ودبلوماسية تتجنب الضجيج والشعارات مع التزامها بعدد من الثوابت.

في الأخير، يجب أن يقدر العرب شعوبًا وحكومات مواقف الجزائر التي لم تخذل أحدًا، ويرفعون لها قبعاتهم باحترام وإجلال على نزاهتها ونظافتها في زمن اختلط فيه الحابل بالنابل في المنطقة العربية، وهذا إن دل على شيء إنما يدل على السياسة الحكيمة والموقف القوي لقادة الجزائر.

وفي نهاية مقالي هذا أقول، إن الأرض التي رويت بدماء المليون والنصف مليون من الشهداء لا يفوح منها إلا عطر المحبة والحكمة والوفاء والشهامة.

فالجزائر اليوم بلد قوي، مبني على سياسة حكيمة ورشيدة لقيادة متمرسة، وذات خبرة كبيرة بعلاقاتها مع الدول.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست