بادئ ذي بدء، لا بد أن نعترف بأن الاستقرار لا يمكن اعتباره نعمة في كثير من الأحوال، فكلمة استقرار أتت من فعل استقرّ، ونقول استقر الشيء أي ثبت ولم يطرأ عليه تغيير، فالطالب المجتهد يمكن أن يستقر على اجتهاده، والفلاح المجد يمكن أن يستقر على جديته، هذا النوع الأول من الاستقرار وهو الوحيد الذي يمكن اعتباره نعمة، ويمكن أيضًا أن يستقر الفلاح الكسول على كسله، وأن يستقر الرياضي المتهاون على تهاونه، وأن يستقر القاضي الظالم على ظلمه، هذا النوع الثاني من الاستقرار لا يمكن طبعًا أن نعتبره نعمة، بل يجب أن ننظر إليه كنقمة.

وحتى لا نخلط المصطلحات، ولنضع كلًا في موضعه الطبيعي، فالاستقرار لا يعني الجمود والخمول والركود، على سبيل المثال، لكي يعرف جسم الإنسان استقرارًا وتوازنًا من حيث دقات القلب والدورة الدموية يجب أن يتفادى الجمود والخمول والكسل، بل إذا استقر الجسم على كسله وخموله فسيترتب عن ذلك مشاكل صحية. ولا يمكن للاستقرار أن يكون فائل خير دائمًا، لأن العاصفة كذلك يسبقها هدوء واستقرار، لذلك لا يجب أن يفرحنا أي استقرار.

والفرحة بالاستقرار لا تحق إلا للدول والشعوب التي تعيش رفاهية وحرية وحياة كريمة، لأنها استقرت على تقدمها وتحضرها وانعدام الفقر والأمية فيها واحترامها حقوق الإنسان والحريات، أما الشعوب الفقيرة والدول الفاسدة فمن السخرية أن تهلل وتطبل وتصدع رؤوسنا باستقرارها البائس، فهل من المعقول أن نفرح باستقرار الظلم والفقر والجهل والتخلف؟ طبعًا لا، فالدول الفاسدة والشعوب الفقيرة التي تفرح باستقرارها على ذلك هي مثل ذلك الطالب الكسول الأبله الذي يفرحه كسله ويفتخر به.

والاستقرار لا يعني أن نجعل الشعوب تستمرئ الظلم والقهر، وأن نجعلها تسمع وتطيع فيما يرضيها وفيما لا يرضيها، وأن نقمع ونكبت الحريات باسم الاستقرار.

ولعل أبرز الإنجازات التي عرفها المغرب منذ 2011 هو الاستقرار، ولا يمكن لأي أحد إنكار وجود الاستقرار في المغرب، اختلفنا أم اتفقنا فالمغرب يعرف استقرارًا، وأنا أيضًا لا يمكنني أن أنكر ذلك ولا عيب في الاستقرار إلا إذا كان استقرارًا من النوع الثاني؛ فالتعليم المتدهور استقر على تدهوره، ووسائل النقل استقرت على رداءتها، والمستشفيات المهجورة المظلمة الفقيرة حافظت على ذلك والبلدات المنسية لا زالت منسية، وسكان بعض أحياء الصفيح لا زالوا مستقرين في أحياء الصفيح، وقرى الأطلس التي كانت تحاصرها الثلوج هي أيضًا مستقرة على وضعها، ولا زالت المسيرات الاحتجاجية تقمع بالقوة وتخلف جرحى، والوعود الكاذبة لإصلاح كل هذه الأمور وغيرها لا زالت مستقرة نسمعها صبح مساء.

ومن المؤسف أن يكون أهم إنجاز للحكومة الفعلية المغربية هو هذا الاستقرار، والذي يعد النوع الثاني من الاستقرار الذي ذكرناه في المقدمة، فمع كامل الأسف استقرت رتبة المغرب في التنمية البشرية في المرتبة 126، وحتى نكون منصفين، توجد بعض التغييرات ترمي إلى إصلاحات منشودة، لكن ما فائدتها إذا كان الفساد مستقرًا؟ وما الهدف منها إذا لم تنعكس على المواطن مباشرة؟

المغرب صراحة لا يحتاج إلى استقرار مزيف بائس، بل إلى نمو وتقدم وازدهار، فالاستقرار الذي يُفرض والذي يراد به جمود وخمول المجتمع لاستمرار الفاسد في فساده والناهب في نهبه والمستبد في استبداده والعبث في مقدرات الشعب والقمع والسجن باسم “حفظ الاستقرار” لا خير فيه، وما الفائدة من الاستقرار فقط من أجل الاستقرار؟ ولا من أجل البناء والتطور والنهوض، فاستقرار الفقر والتهميش والأمية التي تتغنى بها بعض الفئات من الساسة وصناع القرار والمثقفين ووسائل الإعلام، لن يؤدي إلا إلى التقهقر، وازدياد في الفقر والتخلف، فما الفائدة إذا كنا سنضع المجتمع وقضاياه في ثلاجة لكي يجمدا معًا؟

ولا يعقل أن نسمي الاستقرار المزيف الذي يعرفه المغرب إنجازًا، قد لا يتفق البعض مع هذا بحجة أن ما يسمى بالإرهاب لم يطل البلاد على عكس دول أخرى، ومع ذلك لا يمكن اعتباره إنجازًا، لأن اجتناب الإرهاب لا يأتي بملاحقة المشبوهين هنا وهناك، ولا بعمليات استعراضية بائسة يتم نفخها إعلاميًا، بل بالقضاء على البيئة المهيئة والمسببة له، بمحاربة الفقر والتهميش وتوفير حياة كريمة، بدل التلذذ بالفقر والحفاظ عليه وتصوير ذلك على أنه استقرار، ولو أنفقت دول العالم ملياراتها من أجل محاربة الظلم والاستبداد بدلًا من أن تنفقها على محاربة الإرهاب لما كان قد ظهر أصلًا، وما كان أن يظهر شيء اسمه “زعزعة الاستقرار” أيضًا.

ولذلك للانتقال من النوع الثاني من الاستقرار الذي يعتبر مزيفًا إلى النوع الأول والحقيقي يجب الكف عن الاستمراء والتشدق بالجمود والركود في الاستقرار المزيف والعمل والعزم على النهوض والنمو، عوضًا عن وضع مشاكلنا وقضايانا في ثلاجة لكي تجمد ونصور الأمر على أنه الاستقرار ونفرح به.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست