مما لا شك فيه أن اسم كايروكي قد بات معروفًا، مشهودًا له، معقودًا عليه العديد والعديد بسبب استقطابهم فئة عمرية كبيرة، وبالمنطقية التبعية يقع بعض العبء عليهم، ولو حتى كان هذا العبء متجسدًا في انتقاء كلمات الأغنية ثم الاختيار الأمثل للموسيقى التي تُعبر عنهم، وبالطبع تُعبر عن الجيل المُوجه له الأغاني، والغالبية تقول أنهم قد نجحوا في ذلك، وخصوصًا في تجربة الألبوم الأخير والذي قد قرروا طرحه كاملًا على يوتيوب، مُتحدين في ذلك شركات الإنتاج، والتوزيع ونحوه، مُستخدمين ومُستندين على قوة وسائل التواصل الاجتماعي التي تَنشر أي شيء – الرث والجيد والخبيث حتى – كما ينشر القمر ضوءه في ليل بهيم.

فهم يوجهون أغانيهم للمستقبل فليستخدموا وسائله الحداثية ويتماشوا معه.

التجارب في هذا الألبوم الأخير مُتشعبة، سواء من حيث الدمج ما بين الموسيقى التي هم مشهورون بها، الروك وإندي روك، وما بين النمط الغنائي الشعبي، أو حتى على مستوى إختيار الكلمات وغيرها من العوامل التي بها تكتمل الأغنية، ولكن دعنا – عزيزي القاريء – نُسلط الضوء على إحدى هذه التجارب المهمة والتي يُمكن الربط فيما بينها وما بين الأدب وخصوصًا الفانتازي، واضعين نصب أعيننا مقولة يوسا عن الأدب أن الأدب لعبة فكرية يُمكن من خلالها، بطبيعة الحال، أن تظهر الحقيقة، وهي أغنية ديناصور، الأغنية التي سيتضح أنها بورخيسية بإقتدار.

داخل إحدى المقالات والتي فيها يتحدث جيمس آيربي عن عوالم بورخيس الخيالية قال:

ذات مرة ادعى بورخيس أن الوسائل الأساسية للأدب الفانتازي كُله لا يزيد عددها عن أربع: العمل داخل العمل، والواقع المشوب بالحلم، والرحلة عبر الزمن، والقرين.

وفي الاعتقاد أن هذه الأربع – أو بعضها – مُنطبق على ديناصور كايروكي باقتدار، سالكين مُنحنى أدبيًا بورخيسي ليُعبر عنهم وعن الدُنيا والحياة والحلم والطموح وغيره.

مثلًا الواقع المشوب بالحلم

ستجده مُتجسدًا بسوداوية ووحشية في المقطع الأول من  كلمات الأغنية حيث أحدهم – أو بلغة السرد والقص الراوي – يجلس على جانب الطريق، يتلفت حوله، يظهر عليه توتره، لا يعرف ماذا حدث للبشر السائرون حوله كالزومبي المُشاهدون في الأفلام الهوليوودية؟ ثم مفكرًا، ممعنًا في التفكير، مسرفًا فيه، عن هذا العصر الحديث الذي هو بصبغة الماضي المنسحق  في تحجر فكره وكلامه وأفعاله، ثم في لحظة فارقة، لن يستغرب هذا الراوي لو وجد الديناصور المنقرض أو البطريق الذي يعيش في التجمد، يقف جواره، يُدخن سجائر ملفوفة بما يُذهب العقل كالحشيش مثلاً، ليسأل نفسه أين أنا من أنا؟ أين نحن؟ ماذا هذه الفظاظة؟

الرحلة عبر الزمن

الراوي الآن في مفترق طرق، لا يعرف ماذا يفعل؟ وأين هو من هو؟ هل يظل كما هو؟ ولكنه استخدم ردة الفعل الطبيعية جدًا، وهي الهرع، الهروب، ليجد نفسه أمام الماضي المنسحق، الماضي الذي نسعد ونتغنى به، الماضي المُكسو لحم وعظم في هيئة أبو الهول . الراوي يحكى – أو بالأحرى ينقب في التاريخ عن وسائل تُعينه على تخطي الحاضر المُنسحق هو الآخر – ويقص عمّا حدث لنا وماذا فعل الزمن بنا وعن الأحوال ومآل العباد والبلاد.

أبو الهول لا يُعين، أبو الهول لا ينطق بالحكمة والموعظة الحسنة، أبو الهول يَمرض، يُصاب بأمراض الدُنيا والآخرة، يُنفس عمّا بداخله جراء ما سمعه وتسلط عليه من خلال حكى الراوي في صورة فسيولوجية مرضية خارجية، ثم يُبعد عنه هذا الراوي، يُخرجه من دائرته التي كان ينعم فيها بالهدوء، يحاول أبو الهول أن يكون بعيدًا عن الأوباش وحكاوي المستقبل التعيس هذه.

العمل داخل العمل والقرين

وهم واحد قد تجسد في الجُزء الأخير من الأغنية، فنحن نجد في فيديو الأغنية أنّ رجلًا ببزة فضائية قد ركب على حصان ميكانيكي، يسير في صحراء جرادء لا زرع فيها ولا ماء، وإنما قرد لعبة، عربات مُكسرة، تلفاز مائل، فنعرف أن الراوي قد خرج من ماضيه، وهرع للحاضر – أي عمل واقعي داخل آخر مُتخيل – مثله مثل أي شاب طبيعي عادي جدًا، يعود بعد دوام العمل للمنزل – وهو القرين المُكتئب – يستريح، يستمع إلى الطلبات الزوجية، يهدأ، يأكل، يشرب، يجلس أمام التلفاز فلا يظفر منه بأي شيء، بل يشعر بالخنقة، بالصداع، بسبب الزعيق، النفير، الأخبار ذات المنحنى المتماثل، كلام واحد مختلف الصياغة، عند الأول الفاعل قبل المفعول، وعند الآخر الفعل والمفعول قبل الفاعل، فالتلفاز يعيد نفسه، يكرر حكاياته الرثة بنفس الأسلوب بدون اختلاف.

النهاية

القرين – ذو البزة الفضائية والحصان الميكانيكي – يظل يجري، يهرب مما لاقاه، تاركًا وراءه السماء الممطرة بالقنوات الفضائية، تاركًا كُل شيء، ويظل هكذا حتى يصعد على إحدى الكثبان الرملية في الصحراء، ويقف ثم تُختتم الأغنية، أي أنّه قد عاد مرة أخرى لمفترق الطرق، فنحن أمام تساؤل هل سيكرر الراوي وقرينه نفس الفعلة ويعود لمجاهل الماضي والحاضر المنسحق؟ أم أنّه سيتخطى كُل هذا ويفعل ما ينقذه أم ماذا؟

البورخيسية الفانتازية – والتي هنا سوداوية – لم تكن مرهونة فقط بكلمات الأغنية، وإنما كذلك الصورة البصرية المُتمثلة في الفيديو وطريقة الكولاج ما بين أزمنة مُختلفة، وبطرق مُلتوية لتعبر عن بؤس الواقع المرير الذي نمر فيه. القماشة الواسعة المهلهلة الفضفاضة قد أحسن كايروكي استغلالها ليصنعوا المجد، وليغيروا الكون.