بعد أن استطاع ولي العهد السعودي الجديد محمد بن سلمان الإطاحه بولي العهد السابق محمد بن نايف من سدة الحكم في الحادي والعشرين من يونيو (حزيران) 2017، توالت الأنباء عن أن ابن سلمان يعتزم عزل وزير الخارجية السعودي الحالي عادل الجبير، ويعين شقيقه الأصغر خالد بن سلمان بدلًا عنه.

فقد ذكرت مجلة “اتلاتينك” الأمريكية، يوم 9 أغسطس(آب) 2017، أن ابن سلمان ينوي عزل وزير الخارجية الحالي عادل الجبير من منصبه على أن يخلفه شقيقه السفير السعودي لدى الولايات المتحدة خالد بن سلمان كوزير الخارجية القادم.

وتكمن الإشارة، في أن العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز قد أصدر أمر يوم 22 أبريل (نيسان) الماضي، يقضي بتعيين ابنه خالد بن سلمان في منصب السفير السعودي لدى الولايات المتحدة بدلًا عن الأمير عبد الله بن فيصل بن تركي، وذلك ضمن مجموعة من الأوامر الملكية التي أصدرها العاهل السعودي، شملت أيضًا بعض الإجراءات مثل؛ أعادة البدلات والمكافآت لموظَّفي الدولة، التي كانت قد أُلغيت عام 2016.

عادل الجبير هو ثاني شخص يتولى منصب وزير الخارجية السعودي دون أن يكون عضوًا في الأسرة الحاكمة بعد إبراهيم بن عبد الله السويِل

على هذا النحو؛ كان لابد من طرح عدد من التساؤلات حول صحة هذه الأنباء من عدمها، وهي كالتالي، هل سيفعلها ولي العهد السعودي الجديد ويقوم بالإطاحة بـالجبير مثل ما فعل مع ابن نايف؟ وما هي أسباب الخلاف بين ابن سلمان والجبير التي جعلته يفكر في عزله؟ وما هي التغييرات التي يعتزم ابن سلمان اتخذها الفترة القادمة؟

الأزمة الخليجية السبب.. لماذا؟

يمثل وزير الخارجية السعودي عادل الجبير بلاده في إدارة الأزمة الخليجية، التي فشلت فيها السعودية من تحقيق أي نتائج تذكر، حيث وضعت الأزمة المملكة في موقف دولي لا تحسد عليه، الأمر الذي جعل قراراتها وتصريحاتها تجاه الدوحة في أغلب الأحيان غير واضحة المعالم؛ مما يجعلنا نطرح تساؤلًا حول مدى رضى القيادة السعودية عن أداء وزير الخارجية السعودي الحالي في إدارته للأزمة؟

فقد رأى عدد من المحللين السياسيين أن أداء الجبير السياسي في الأزمة الخليجية كان دون المستوى، حيث ظهر الجبير مرتبكًا في بعض تصريحاته على غير العادة، بالإضافة لفشله الواضح بعدم القدرة على تشكيل تحالف ضد قطر يضم دولًا مؤثرة على القرار الدولي.

وبالإشارة إلى تصريحات الجبير عن الأزمة، نجد تصريح له أكد فيه أنه لا يوجد عرض وساطة أمريكية لحل أزمة الخليج والحل سيكون خليجيًا خليجيًا، مشيرًا إلى أن قائمة المطالب الـ13 التي قدمتها دول المقاطعة الأربع (السعودية والبحرين والإمارات ومصر) لقطر غير قابلة للتفاوض، وأنه على القطريين إصلاح سلوكهم، وإلا فسيبقون في عزلة.

وفي هذا السياق؛ جاءت أغلب تصريحات وزير الخارجية السعودي، الأمر الذي يوضح أن أغلب الإجراءات السياسية التي اتخذتها السعودية منذ إدارتها للأزمة هي إجراءات روتينية لم تحدث أي أثر قوي على الدوحة إلا من الناحية الاقتصادية، الأمر الذي تفادته قطر بالتعاون مع كل من إيران وتركيا، ذلك قد يكون السبب الذي جعل ابن سلمان يفكر في قرار عزل الجبير لعدم اتخاذه أي إجراء فعلي من شأنه الضغط على قطر لمراجعة سياستها.

ولي العهد السعودي هو السبب في اندلاع الأزمة مع قطر

لذلك؛ أوضحت صحيفة الديلي تليغراف البريطانية تحليل للكاتب البريطاني كون كوغلن، أشار فيه أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان هو السبب وراء قرار مقاطعة الدول الأربع لقطر في الخامس من يونيو (حزيران) الماضي، مضيفًا أن ابن سلمان نجح في استغلال تلك الأزمة لترسيخ قواعد عرشه في السعودية، وأنه هو صاحب الخطوات المتخذة ضد الدوحة، مؤكدًا علي أن كافة تحركات محمد بن سلمان تحظى بموافقة والده الملك سلمان بن عبد العزيز، خاصة فيما يتعلق بصياغة سياسة المملكة الخارجية.

قرار العزل قريبًا أم بعيدًا

السؤال الذي يطرح نفسه في هذا الصدد؛ هل سيتخذ ابن سلمان قرار بعزل الجبير في الوقت الحالي أم سيتم تأجيله لحين توليه شؤون المملكة بدلًا عن والده؟ وذلك لأن العاهل السعودي هو من لديه صلاحيات تعيين أو عزل الوزراء من خلال قيامه بإصدار أمر ملكي يفيد بذلك، ولكن بعدما ظهرت أنباء نقلتها وكالة رويترز الأمريكية، أفادت أن العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز سجل هذا الشهر يوليو (حزيران) لعام 2017 بيانًا يعلن فيه التنازل عن العرش لابنه وولي العهد محمد بن سلمان، وقد يذاع هذا الإعلان في أي وقت ربما في سبتمبر (أيلول) المقبل.

بيد أن ولي العهد الجديد يطرح نفسه في كافة المحافل الدولية باعتباره هو المسيطر الأول على الأمور في المملكة، والأدلة على ذلك كثيرة، منها: أنه هو من اقترح قيادة المملكة العربية السعودية للتحالف العربي المحارب في اليمن، وأقنع والده بوضع أكبر نسبة تمويل للحملة لتكون للمملكة الكلمة الأولى، كما أنه هو الذي يتواصل مع العديد من دول العالم، فقد التقى بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وكذلك عقد عدة لقاءات في البيت الأبيض، محاولًا من خلال ذلك التمهيد لأن يصبح ملكًا للسعودية.

مسلسل الإقالات في عهد ابن سلمان

منذ أن تولى ابن سلمان ولاية العهد وأصبح المسيطر على جميع مفاصل المملكة، فقد تغير التقليد المتبع في ترتيب السلطة منذ عهد الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود، وذلك لأن ابن سلمان لم يطيح بابن عمه وولي العهد السابق محمد بن نايف فقط، فقد استطاع أن يعزل أتباع  ابن عمه أيضًا، ولم يقتصر الأمر على ذلك، فقد سعى الملك سلمان ونجله ولي العهد، تقليص كافة صلاحيات أبناء الملك الراحل عبد الله.

والأشد من ذلك أن الملك سلمان قد أصدر أمرًا ملكيًا يعفي أخاه مقرن بن عبد العزيز من منصبه كولي للعهد في 28 إبريل(نيسان) 2015، الذي كان من الممكن أن يتولى عرش الملك بعد أخيه سلمان، وهو ما لا يرده سلمان؛ مما يعني أن ولي العهد الجديد له تأثير على أكبر القرارات التي يتخذها الملك، لذلك ليس من المستبعد أن يتنازل الملك سلمان في أقرب وقت عن الحكم لابنه.

مستقبل المملكة في عهد الملك الجديد

هنا تكمن الإشارة أن ابن سلمان يمتلك برنامجًا يهدف إلى إجراء عدد من الإصلاحات بالمملكة، وذلك من خلال العمل على تغيير النظام التقليدي المتبع في المملكة، القائم على التغيير الاجتماعي والاقتصادي البطيء والدبلوماسية الهادئة، بانتهاج سياسة عسكرية ودبلوماسية قوية وتدشين مجموعة من خطط الإصلاح الاقتصادي، لأن الخلاف بين قطر والسعودية، سينعكس بالسلب على هذه الخطط، فالأزمة تحمل مخاطر بتقويض إقبال المستثمرين على منطقة الخليج ككل وهو الأمر الذي ينعكس في احتمال ارتفاع تكاليف الديون الحكومية، وربما إبطاء وتيرة الإصلاحات الاقتصادية في السعودية.

وأخيرًا؛ في حال بات “بن سلمان” العاهل السعودي الجديد، يمكن له أن ينفذ ما يراه مناسبًا، ولا يتبقى إلا مجموعة من الإجراءات الثانوية، مثل القرارات الخاصة بالتعيينات، ولكن هذه الإجراءات سوف تحدد التوجه الجديد للحكم في السعودية بعد تبدل الأدوار، وبالتالي يقوم ابن سلمان بإصدار أمر ملكي لعزل الجبير، وتعيين الشخص الذي يمكن من خلاله إدارة السياسة الخارجية السعودية بالطريقة التي يريدها الملك الجديد، إلا أن ذلك لا يمنع أن يقوم ابن سلمان بعزل الجبير في الوقت الحالي من خلال إقناع والده بذلك.