إن ما انطوت عليه حركة التاريخ من تناقضات بين الهدم والبناء والصراع بين الدين والعقل والتقابل بين الفلسفة والعلم، وذلك نتيجة التطور الحضاري الحديث، والذي جعل لفكرة القيم السيادة والمكانة المهمة في جل الفلسفات الحديثة. والواقع يؤكد أن الإنسان كائن أخلاقي مسؤول عن أفعاله وعن مصيره، وعن تحقيق الكمال الممكن لطاقاته وملكاته، فهو مؤهل للتمييز بين الخير والشر وبين الحق والباطل، وبين الوقائع التي تمر ومن حوله، ومنها ما يقبل، ومنها ما يرفض، فهو بذلك يقيمها في ضوء ما يحمله من قناعات، وانطلاقًا من ما ينشده من كمال ومثالية وحقيقة تامة، ولا ننفي أن يكون هناك من لا يقتنع بالقيم المنشودة أو المثل العليا، والتي تستوجب من الإنسان السعي لبلوغها، في عالم يقوم في نظره على العبث واللامعقول.

وكلمة القيم كثيرة التداول اليوم، نقرأها ونسمعها تتردد على السنة كثير من المثقفين والتربويين والمفكرين وغيرهم، وذلك لما تحتله هذه الكلمة من اهتمام تربوي وثقافي وبذلك فما القيم وما دلالتها وما أهميتها؟

ففي أصول اللغة وردت كلمة قيمة، وجمعها قيم، إنها مشتقة من الفعل قوم، الذي تتعدد موارده ومعانيه، فقد استخدمت العرب هذا الفعل ومشتقاته للدلالة على معان عدة كالثبات والدوام والرعاية والصلاح والاستقامة.

لقول الحق سبحانه عذاب مقيم الشورى 45 أي عذاب دائم، وعلى الصلاح قول الحق: دينًا قيمًا. الأنعام 161. أي دينًا مستقيمًا صالحًا.

الا أن اختلاف العلماء والمنظرين في تحديد معنى القيم يعود في جوهره إلى ما تتسم به القضية القيمية من عمق معرفي وثقافي وأيديولوجي.

فعندما نتحدث عن القيم فإننا ننطلق من ثقافة معينة تدور القيم في دوائرها، فالتعاليم الدينية والرؤى الفلسفية والتربوية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية تعد كلها أصول فكرية تحكم تفاعلنا مع المنظومة القيمية.

فليست القيم فقط مجموعة معايير ومقاييس يحكم بها على الأشياء من حيث الحسن والقبح أو بعض التفضيلات التي يختارها الفرد أو الحاجات والدوافع والاهتمامات والاتجاهات والمعتقدات التي ترتبط بالفرد، بل هي سر عميق من أسرار النفس البشرية وميزة تميز بها الإنسان عن غيره من المخلوقات، إنها مجموعة من المعتقدات والتصورات التي يفسر بها الإنسان معنى وجوده، ويحدد في إطارها فهمه وعلاقاته مع الكون والإنسان والحياة، وهي ذات مضامين معرفية ووجدانية وسلوكية يعتنقها الفرد بحرية من غير إجبار مختار لها عن وعي وتفكر وتأمل، مفضلًا لها عن سواها…

لا قيمة للقيم التي لا تتمثل في السلوك، ولا يصح لنا أن نسميها قيمًا لأنها بفقدها للسلوك تفقد مكونًا جوهريًا لا يمكن إهماله. إذ السلوك القيمي سلوك حر وثابت ومستمر ومتكرر، يعرف به صاحبه ويستمر معه، إذ لا يسمى الأمين أمينًا إذا كان مجبر على الأمانة مكره عليها، ولا نصفه بها إلا بعد أن تصدر منه مواقف يثبت فيها أمانته ويخالف الخيانة فيها، ولنا في رسول الله – صلى الله عليه وسلم – خير شاهد، فقد عرفته مكة قبل البعثة بالصادق الأمين، وما ذلك إلا لأنه لم يعهد عليه كذبًا قط.

وللقيم تقدير واعتزاز عند الفرد، فهو يشعر بالفخر والسرور بقيمه، لذلك فهو يعلنها ويظهرها في سلوكياته وأفعاله. ولكي تكون القيمة حقيقية فلا بد أن تتأثر الحياة بها، فالإنسان الذي يتكلم على حقوق الإنسان، ولكنه لا يفعل شيئًا تجاهها، فإنه مجرد متكلم لا يصح لنا أن نصفه بأنه يتمثل هذه القيمة.

والمصلي الذي يخجل من إعلان صلاته، والورع الذي يتردد في التزامه، والفتاة الذي لا تفخر بالزي الإسلامي، وهم ليسوا مجبرين على ذلك أولئك من لا يصح أن نقول إنهم يتمثلون القيم السابقة؛ لأنهم في حقيقة أمرهم غير راضين عنها، أو معتزين بها.

فالقيم هي مجموعة من المعتقدات والتصورات المعرفية والوجدانية والسلوكية الراسخة يختارها الإنسان بحرية بعد تفكر وتأمل، ويعتقد بها اعتقادًا جازمًا، وتشكل لديه منظومة من المعايير يحكم بها على الأشياء بالحسن والقبح أو الرد ويصدر عنها سلوك منتظم يتميز بالثبات والتكرار والاعتزاز

ومفهوم القيمة أنها الوصف الذي يكتسيه الباعث على انجاز فعل من الأفعال، بحيث يسد حاجة من حاجات الإنسان الضرورية أو الكمالية أو من حيث يطلب كوسيلة لتحقيق غاية أخرى، وأسمى القيم ما يعد منها مرغوب فيه لذاته لا لأمر آخر. فرجل الاقتصاد يتحدث عن المنفعة باسم القيم وناقد الفنون يتحدث عن الإحساس بالجمال باسم القيم الفنية ورجل الدين يعتبر الاستقامة وفق العقيدة جوهر كل قيمة أخلاقية، لكن يجب القول أيضًا أن هناك قيمًا مشتركة بين سائر الثقافات والحضارات وبين سائر المفكرين والمتخصصين، باعتبارها قيما لا ينازع في ثبوتها أحد.

وهي القيم العليا التي تستقر في وجدان الانسان، من حيث هو إنسان يؤمن بقيم الحق والخير والعدل والجمال، ولا يتردد في مقاومة أضدادها، وهي الباطل والشر والظلم والقبح.

ومن خصائص القيم أنها ذاتية وشخصية وترتبط ارتباطًا وثيقًا بالفرد وتظهر لديه على صور مختلفة؛ مما يجعلها قضية ذاتية تؤثر وتتأثر باهتمامات الفرد وميوله ورغباته وذوقه، فتفاوت الناس واختلافهم في الحكم على الأشياء إنما نتيجة لاختلاف بنائهم الشخصي ولمعتقداتهم حولها.

وتختلف المعتقدات والتصورات باختلاف الثقافات، ومن ذلك تختلف المنظومة القيمية النابعة منها، وأمة الإسلام متميزة بثقافتها وثقافتنا كفيلة بحفظ منظومتنا القيمية صافية نقية ما دمنا مؤمنين متمسكين. ففقدان منظومتنا القيمية وضياع لهويتنا الثقافية والحضارية يفسح المجال للقيم الوافدة لأخد مكانها والسيطرة على عقول شبابنا.

وفي عصرنا هذا نحن مطالبون أكثر بأن نراعي عند غرس القيم وتعليمها على مراعات ترسيخ المعتقدات الإسلامية معتمدين على منهج الإقناع العقلي الذي يقوم على توضيح الدليل والبرهان والتعليل على تأسيس القيم وفق منهج التفكير الصحيح القائم على الاستدلال والمقارنة والنظر في الإيجابيات والسلبيات، وتحمل العواقب والنتائج.

فالقيم تختلف من فرد لآخر ومن مكان لآخر ومن وثت لآخر، وذلك لتصورات ومعتقدات الافراد وارتباطها بالزمان والمكان -وهي ثابتة عند صاحبها – ولكن متغيرة من واقع لآخر، فقيمة الأسرة تختلف ما بين الشرق والغرب.

فالقيم ثابتة راسخة عند معتقديها ونسبية بين الثقافات والأجيال فما يراه جيل أنه قيمة إيجابية قد يراه جيل آخر بأنه قيمة سلبية وهكذا.

وبناءً على ذلك القاعدة التي تقول: القيم تابعة للفكر ومتولدة عنه، فهي معان مجردة تتسم بالموضوعية والاستقلالية وتتضح معانيها الحقيقية في السلوك، وقد تنتظم القيم في سلم قيمي متغير ومتفاعل، حيث ترتب عند الفرد ترتيبًا هرميًا يهيمن فيه بعض القيم على بعضها الآخر، ولكل فرد قيم ذات أهمية عن أخرى، وبذلك يتشكل عنده نسقًا قيميًا داخليًا متدرجًا واضحًا في مواقف الحياة، وخاصة حينما تتعارض القيم المهمة عنده مع تلك الأقل أهمية عند غيره.

فالقيم ديناميكية السمة بمعنى انها تؤثر وتتأثر. نعم فهي التي تمكن الفرد من التعامل الإيجابي مع مواقف الحياة المختلفة وتمكنه من تحديد أهداف واضحة ومسارات بينة بقناعات وبصيرة نافذة وتبعده عن الضعف وسوء الحال وعن الأفكار السلبية الهدامة واكتسابه للقيم الإيجابية تمنحه همة عالية وعزيمة قوية يكتسب من خلالها طاقات فاعلة ونجاح يتبعه نجاح.

فالقيم تضرب جذورها في النفس البشرية لتمتد إلى جوهرها وخفاياها وأسرارها، وهي تشكل ركنًا أساسيًا في بناء الإنسان وتكوينه، وتكوين المجتمعات على اختلاف مشاربها وعقائدها وثقافاتها.

فهي التي تمثل جوهر الإنسان الحقيقي وهي التي تؤهله لأداء واجباته الدينية والمجتمعية والوطنية والإنسانية فبها يصير الإنسان إنسانا وبدونها يفقد إنسانيته ويرد إلى أسفل سافلين يتيه وينحرف عن جادة الصواب وينفرط عقد النظام الاجتماعي ويصبح كائنًا حيوانيًا تسيطر عليه الأهواء وتقوده الشهوات فينحط إلى مرتبة يفقد فيها عنصر تميزه الإنساني الذي وهبه الله له.

وبذلك فإن ترسيخ القيم ضرورة دينية وحاجة ملحة لا مفر منها ولا بديل عنها، ولا يمكن ذلك إلا عبر الممارسات اليومية الدائمة، إذ إن مزاولة القيم الحميدة في الحياة يضبط السلوك ويعمق المسؤولية فتصبح القيمة بذلك ملكة وسجية.