بالإضافة إلى أنه مفكر ومنظّر وقيادي سابق في المعارضة السوري، فإن برهان غليون لم يدخل في لعبة المال السياسي وشراء الذمم والأصوات، كما حدث مع كثيرين استخدموا المال السياسي في شراء أصوات لهم داخل الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية.

طبيعي أن تُثير مقالة برهان غليون “في الثورة السورية والمراجعة وثقافة المسؤولية” (“” 24/ 7/ 2017) رُدود فعل كثيرة، وتفتح باباً للنقاش والتساؤل، فهذا هو الدور الرئيسي للمثقف والمنظّر، خصوصاً ونحن نتحدث عن سنوات مضت على انطلاق ثورة السوريين ضد طغمة حاكمة مستبدة، لم تدع وسيلةً لإرهاب محكوميها إلا واستخدمتها، ولم تدع أي محتل وطامع في سورية إلا وفتحت له الباب، لتصبح سورية مناطق نفوذ مقسمة بين عدة دول، كلٌ حسب قوته.
صاحب “بيان من أجل الديمقراطية” من أجدر من يبادر إلى طرح هذه القضايا على الطاولة، وإعادة ساحات النقاش إلى حيويتها ودورها الرئيسي المتمثل في إيجاد فضاءات وحوارات بين سوريين منعتهم ظروف الحرب من التوقف عندها مطولاً. وبرهان غليون”مفكر له مؤلفات وطروحات عدة تتعلق بالمسائل السياسية والاجتماعية والطائفية، وأيضاً عن علاقة الدين بالدولة والدين بالعلمانية، وقد ترأس المعارضة السورية عاما بعد تشكيل المجلس الوطني. ومن خلال طروحاته ونشاطه السياسي الفاعل، يستطيع أن يثير أبرز القضايا، ما يفتح شهية السوريين على طرح مزيد من الأسئلة والاستفاضة بالنقاشات.
من الردود على مقالة غليون، كانت مقالة سميرة المسالة “ليس دفاعاً عن المنشقّين أو رداً على برهان غليون” (“” 5 /8 /2017)، وهي جديرة بالتوقف عندها، وقد كانت الكاتبة في قيادة المعارضة، وشغلت منصب نائب رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، وتسلمت رئاسة المكتب الإعلامي له. ما يستدعي التوقف، هنا، عند رد المسالمة عدة نقاط، أبرزها:
“لا أحد فوق النقد، والمطلوب اليوم من كل سوري تصدّر ميدان العمل العام، وكان في موقع المسؤولية، تقديم مراجعة وتقييم لمجمل أدائه”

الأولى تصديها للدفاع عن المنشقين بطريقة تبدو وكأن كل نقد غليون موجها لهم، وهذا غير صحيح، وأنها معنية بشكل مباشر، وكأن المقالة جاءت ضد شخصها، وهذا غير صحيح، لوجود عشرات المنشقين من سياسيين وعسكر في مراكز قيادية، كالدكتور رياض حجاب، مثلا.
النقطة الثانية والخطيرة، وصفها المجلس الوطني، والذي ترأسه برهان غليون عاما بـ”أخوة المنهج”، وهو اتهام يأتي في ظل موجة إقصاء وحرب واضحة في بلدان الربيع العربي على معظم تيارات الإسلام السياسي، واستخدمت فيها القوة العسكرية، كما حدث في مصر بعد انقلاب عبد الفتاح السيسي، ويحدث في ليبيا واليمن. وتتحدث المسالمة بلسان مجموعة من المعارضين تسمي نفسها ديمقراطية (درج في توصيفات المعارضة السورية نفسها على وسم كل من هو غير إخواني بالديمقراطي!). ولا ترى هذه المجموعة حرجاً في التعامل مع نظام انقلابي، مثل نظام السيسي. وأخيرا، بعد تفاقم الأزمة الخليجية، تعالت أصوات هذا التيار في محاولة للسير في ركاب الحملة ضد قوى الثورات، بحجة محاربة “الإخوان” وغيرهم من التيارات الإسلامية.
النقطة الثالثة والأبرز في رد المسالمة، مسألة النخبة، وقد ذكرت ميشيل كيلو وفايز سارة ونغم الغادي وغيرهم. عن أي نخبة تتحدّث؟ هل نسمي من حوّل نفسه من معارض مرموق له وزن لدى الشارع الثوري، حتى قبل أن تبدأ الثورة، إلى مجرد تابع لأحمد الجربا، ومن كان يعمل كاتباً وصحافياً له وزنه في أوساط المعارضة إلى مجرد حامل حقيبة، وموظف صغير في مكتب الجربا الإعلامي، هل يصح وصفهم بالنخبة؟
تعلم المسالمة جيداً كيف شكل ما يسمى “التيار الديمقراطي”، وكيف ولماذا دخل “الائتلاف”، وكيف كان يديره الجربا من مكتبه في منطقة أتاكوي في اسطنبول، المكتب الذي كان يحج إليه كل أعضاء كتلة الجربا لقبض رواتب شهرية في مقابل التصويت داخل “الائتلاف” لصالحه وعلى مزاجه.
يتحمل برهان غليون جزءا كبيرا من أخطاء المجلس الوطني في فترة رئاسته، أهمها رضوخه لمبدأ المحاصصة السياسية التي فرضتها عليه كتلتا إعلان دمشق و”الإخوان” داخل المجلس، والتي أسست لفشل مستدام انتقل من المجلس إلى الائتلاف، واستمر. وكان على غليون رفض مبدأ المداورة على رئاسة المجلس الذي كان يدير شؤونه، والحل الليبي حاضر في ذهنه ومناقشاته.
مطلوب من الدكتور برهان غليون مزيد من المكاشفة والجرأة في الطرح، فيوضح، مثلا، كيف ضاعت المائة مليون دولار، والمقدمة من ثوار ليبيا إلى “المجلس الوطني”، بسبب فشل إداري وسطوة عقلية المحاصصة، وأن يخبرنا عن أسباب فشل مؤتمر توحيد المعارضة في مارس/ أذار 2012، وعن قضايا وأحداث كثيرة، يحتاج الشارع السوري معرفة تفاصيلها وحيثياتها. وبالإضافة إلى أنه مفكر ومنظّر وقيادي سابق في المعارضة، فإن برهان غليون لم يدخل في لعبة المال السياسي وشراء الذمم والأصوات، كما حدث مع كثيرين استخدموا المال السياسي في شراء أصوات لهم داخل “الائتلاف”، ولم يكتب عنهم أحد ويصفهم بالنخبة، كما فعلت المسالمة مع كتلتها.
حالة المكاشفة ونقد الذات مطلوبة، ونقد النقد مع تفنيده حالة صحية. وكنت أتمنى على الكاتبة والإعلامية، سميرة المسالمة، أن تكون أكثر رصانة في ردها على مقالة برهان غليون، وأن

“تحاول المسالمة، في معظم مقالاتها أخيرا، لصق الاتهامات بفصائل الجيش الحر، وتشبيهها بقوات النظام، وإشاعة روح الهزيمة بين الثوار”

تبادر هي للمكاشفة بكل جرأة، وتطلب من نخبتها أيضاً أن تصارح الناس، ولازلنا ننتظر، مثلا، الوثائق السرية والخطيرة التي تحدث عنها ميشيل كيلو لوسائل الإعلام في أثناء توسعة “الائتلاف”. وها هي المسالمة تحاول، في معظم مقالاتها أخيرا، لصق الاتهامات بفصائل الجيش الحر، وتشبيهها بقوات النظام، وإشاعة روح الهزيمة بين الثوار، بترويج نهاية الثورة تحت بند واقعية جديدة فرضها الروس عسكرياً.
لا أحد فوق النقد، والمطلوب اليوم من كل سوري تصدّر ميدان العمل العام، وكان في موقع المسؤولية، تقديم مراجعة وتقييم لمجمل أدائه، وأداء المجموعة التي عمل معها، فلن يكون ممكنا تجاوز المرحلة السابقة من دون مراجعات حقيقية وجريئة. وحتى تبتعد هذه المقالة من شبهة الدفاع عن برهان غليون، فإنها تختتم بإيضاح أنها دفاع عنه، وعما يمثله من قيم فكرية وسياسية، لما يتمتع به من نزاهة وجرأة على المصارحة والمكاشفة. وهو ما أجده واجبا شخصيا، بعد طي ست سنوات من عمر الثورة، مع ضرورة توضيح بعض من خفايا مرحلةٍ مضت، لا يعرف عنها كثيرون إلا الشيء اليسير، بسبب كثرة التحولات التي رافقت مسار الثورة وعملية التحطيم الممنهج التي تتعرّض له، تحطيم عسكري وسياسي، وأيضاً يُراد تحطيم من تبقوا من رموز المعارضة التي لاتزال تحظى بشرعية وقبول لدى طيف واسع من جمهور الثورة مثل برهان غليون.