بمزاوجة مفهومي الحاكمية والفرقة الناجية عند الحركات الأصولية، تم إنتاج جماعة تكفيرية مغلقة، يحولها مبدأ الحاكمية لله إلى جماعة تدّعي لنفسها الحق في تمثيل إرادة الله، وأن من حقها تولي زمام الحكم على أساس احتكار معرفة مضمون القانون الإلهي.

تكاثر المتحدثون باسم الدين الذين يقدّمون أنفسهم بوصفهم يخوضون معاركه ضد الذين يتعرّضون له. ولم نعد نملك القدرة على متابعة فوضى سيل الفتاوى الغرائبية حول قضايا في غاية التفاهة. وأصبح كل من هبّ ودب يتصدّر للفتوى، حتى تشعر أنه بات لكل حارةٍ أو زقاقٍ مفت خاص بها. وكل واحد من هؤلاء يعتبر نفسه وكيلا لله على الأرض، ومنفذ الإرادة الإلهية، ويمنح لنفسه سلطاتٍ إلهية مطلقة، تقضي بقبض أرواح البشر لأتفه الأسباب. وأصبح كل من لبس جلباباً قصيراً، وحمل سبحته، وذهب إلى الجامع، مفتيا، حتى لو كان أميّاً.
لا يمكن تفسير هذه الظاهرة على غرائبيتها، بوصفها امتداداً لتراثٍ يمتد في الماضي، حتى لو نَسَبت نفسها له، واعتمدت أردأ ما فيه لإصدار فتاويها. فهذه الظواهر، في نهاية المطاف، في غاية الحداثة، إنها ابنة العالم العربي والإسلامي الحديث. ولا مجافاة للحقيقة في القول إنها الابنة الشرعية للمجتمعات المحطمة وللحداثة العربية المشوهة. وإذا ذهبنا مع ماكس فيبر باعتبار الأديان “أنساقاً لتنظيم الحياة”، فهذا يدفع إلى قراءة هذه الظاهرة في راهنيتها وحداثتها، بوصفها وليدة الزمن العربي الحديث. بذلك تكون الممارسة الدينية التي تهدف إلى التأثير على حياة البشر وآلية إنتاجهم لمجتمعهم، لا تخص عالم الآخرة، بل تخص عالمنا الأرضي، العالم الذي نعيشه، العالم الذي نُذبح فيه تحت راياتٍ سوداء بفتاوى دينية أكثر سوادا. بهذه الممارسة المتخلفة، يتكرس أردأ ما في التجربة الإسلامية، حيث يتم استدعاء التراث الإسلامي المغلق والظلامي والتكفيري الذي يحول العالم العربي إلى عالم أكثر ظلمة.
تشير “الممارسات الدينية” الحديثة بالمعنى السوسيولوجي إلى التعامل مع الدين بوصفه مجموعةً من التعاريف والقواعد والقوالب الجامدة التي يمكن أن نصب فيها أي قضايا. هي قواعد من الممكن التلاعب بها حسب الحال والطلب، من خلال إسنادها إلى الدين. وبهذه العملية التسطيحية للقضايا المعقدة، يتم إيجاد القوالب الجاهزة للسيطرة على المجال الاجتماعي، من خلال خطاب ديني شكلاني، وممارسات طقوسية، ومرجعيات مغلقة. وهو ما يجعل الدين
“الفقه الإسلامي خدم كل أنواع السلطات، فنحن نستطيع أن نجد فيه كل المتناقضات، إنه علم مطاطي، ذرائعي، خدماتي، يعرض بضاعةً متناقضة، تستطيع أن تأخذ منها ما يناسب مصلحتك”

متعاليا على المجتمع، ويجعل الرجال الذين يعتبرون أنفسهم حماته في مكانةٍ أعلى من الآخرين، وكلاء للدين وناطقين باسم الله ومنفذين لأوامره، وكل واحد أو جماعةٍ تعتبر نفسها المرجعية النهائية المتصلة مع الله، من دون وسيط. بما يُدخل هذه الممارسات في تعارضاتٍ وصراعاتٍ تصل إلى تكفير جماعاتٍ تنتمي إلى المجال الاجتماعي والديني نفسه، وحتى تنتمي إلى الجماعة نفسها.
في المجتمعات المدنية تستمد القدسية ذاتها من “العقد الاجتماعي” الذي تتوافق عليه هذه المجتمعات، بوصف المواطن هو السيد في دولته، وبالتالي، فإن البشر المتوافقين الأحرار هم الذين يصوغون “العقد الاجتماعي” الذي يحكم حياتهم، ويملك آليات تغييره وتعديله، عبر الهيئات نفسها التي أقرّته. مرجعية المجتمعات المدنية أرضية، ولذلك تقوم العلاقة على أساس الحقوق والواجبات المستندة إلى القوانين. أما الأديان السماوية فتستمد قدسيتها من انبثاق هذه الأديان عن الله مباشرة، وتستمد شرعيتها من تعالي الله وقدرته الكلية على معرفة كل شيء، وآليات التقديس توجد عبر الأوامر والنواهي التي يفرضها الله على عبده. فهي، في جميع الحالات، تأتي من خارج المجتمع البشري، لتضبط سلوكه عبر هذه الأوامر والنواهي الملزمة، وليس على الإنسان سوى طاعتها من دون نقاش، وهذا لا يسبب أي مشكلة، طالما أن العلاقة بين الخالق وعبده خاصة، بمعنى أن الإنسان يعيش حياته في الأرض، وفي الآخرة تتم محاسبته من الله على مدى التزامه بالأوامر الإلهية. تبدأ المشكلة من الذين يريدون محاسبة الآخرين، بوصفهم وكلاء الله على الأرض، الآن وهنا. ويريدون إدخال البشر إلى الجنة عنوةً، ورغما عن إرادتهم، وكأن أولى مهمات الدين هي سلب الآخرين حريتهم وإرادتهم، تبدأ من اللباس الشرعي والتدخين وتنتهي بالقتل لأتفه الأسباب.
الفقه الإسلامي واحد من القوالب التي تستعاد من أجل الإجابة عن أسئلة العالم الحديث، وبما أن الفقه الإسلامي خدم كل أنواع السلطات، فنحن نستطيع أن نجد فيه كل المتناقضات، إنه علم مطاطي، ذرائعي، خدماتي، يعرض بضاعةً متناقضة، تستطيع أن تأخذ منها ما يناسب مصلحتك.
مع الشافعي تم تكريس الفقه بوصفه المسؤول عن كل صغيرة وكبيرة في حياة البشر، عندما قال: “ما من نازلة إلا ولها في كتاب الله حكم”، وسرعان ما انتقلت الفكرة إلى كل المذاهب الإسلامية، فأصبح النص القرآني المرجع النهائي وكتاب الحلول لكل المشكلات أو النوازل التي وقعت في الماضي، والتي تقع في الحاضر، أو التي ستقع في المستقبل. ولأن النص القرآني لا يقول، فقد عيّن بعض البشر أنفسهم ناطقين باسم النص، وبالتالي ناطقين باسم الله. ساد هذا المبدأ التاريخ العقلي والفكري العربي والإسلامي في أسوأ مراحله التاريخية، وهو يُستعاد اليوم. عمل هذا المبدأ على تحويل العقل العربي إلى عقلٍ يقتصر دوره على تأويل النص لإيجاد حلول للمشكلات المطروحة. وهذا ما سوّغ تدخل دعاة الدين وعلمائه ومشايخه في الشؤون الدنيوية. ويقوم هذا التدخل على قاعدتين رئيسيتين: إن القانون الإلهي الذي جاء في كتاب الله هو ما ينبغي التقيد به وتطبيقه في إيجاد الحلول للشؤون الدنيوية، وليس القانون الإنساني. وإن القانون

“يريدون إدخال البشر إلى الجنة عنوةً، ورغما عن إرادتهم، وكأن أولى مهمات الدين هي سلب الآخرين حريتهم وإرادتهم، تبدأ من اللباس الشرعي والتدخين وتنتهي بالقتل لأتفه الأسباب”

الإلهي ليس واضحاً في جميع الحالات، لذلك، هو بحاجة إلى تأويل لاستكشاف خباياه. وليس هذا الاستكشاف متاحاً لكل البشر، ولا يملك هذه القدرة سوى حفنة خاصة من البشر، وقد عيّن كثيرون أنفسهم في موقع الحفنة الخاصة من البشر.
“الحاكمية لله” هي القاعدة التي تحكم طبيعة الأحكام الدينية، ودور الإنسان مجرد دور تنفيذي. وهو المبدأ الذي يحكم سلوك الحركات الأصولية، ويحكم تصوراتها عن المجتمع الذي تسعى إلى بنائه، وهو ما عبر عنه سيد قطب، الأب الروحي للحركات الدينية الجهادية المعاصرة، “الجاهلية هي بالضرورة الخضوع لحكم البشر، لأن الحاكمية هي، مفهومياً، حكم الله”. بمزاوجة مفهوم الحاكمية مع مفهوم “الفرقة الناجية” عند الحركات الأصولية، تم إنتاج جماعة تكفيرية مغلقة، يحولها مبدأ “الحاكمية لله” إلى جماعة تدّعي لنفسها الحق في تمثيل إرادة الله، وهي تدّعي أن من حقها تولي زمام الحكم على أساس احتكار معرفة مضمون القانون الإلهي ومستلزماته العملية، وامتلاك أعضائها الصفات والفضائل اللازمة لتنفيذ أوامر الله ونواهيه. إن جماعة كهذه، يكمن مبرّر وجودها في اعتقادها بأنها وحدها المؤهلة لتنفيذ إرادة الله في الأرض، ووحدها القادرة على تنفيذ أوامر الله ونواهيه عبر العنف، مجرمون تحت رايات دينية. هذه هي البيئة التي أنتجت “داعش”، ومن دون العمل على تحطيم هذه البيئة، سيكون كل انتصار على “داعش” مؤقتا، لأن هذه البيئة ستعيد إنتاجه المرة بعد الأخرى، بتسمياتٍ مختلفة.