لكي ينزع السلاح في السودان من كل جهة غير نظامية، لا بد أن تصبح القوات النظامية قوميةً ليس فقط في تركيبتها، ولكن في قيمها وأسلوبها، والتزامها الصارم بالقانون. وعليه، لا بد أن يسبق نزعُ الخوفِ والتوجّس نزعَ السلاح.

تواجه الحملة التي أطلقتها الحكومة السودانية لنزع سلاح المليشيات القبلية في إقليم دارفور الملتهب تحدياتٍ كبرى. وكانت الحكومة قد شكلت، في العام الماضي، لجنة برئاسة نائب رئيس الجمهورية، حسبو محمد عبدالرحمن، لنزع السلاح غير المشروع، وأعلنت الأسبوع الماضي بدء تنفيذ الحملة، بدءاً بتوعية بمخاطر انتشار السلاح، وشرح قرارات الحكومة بجمعه، ثم تثنية بجمع طوعي للسلاح، وانتهاء بالجمع القسري ممن لم يشارك في الخطوات السابقة.
ولا شك أن هدف جمع السلاح من كل المليشيات القبلية، خصوصاً في إقليمي دارفور وكردفان، مما لا خلاف على صوابه، ذلك أن انتشار السلاح فيهما، منذ أواخر السبعينات، بسبب حروب تشاد، والتدخلات الأجنبية في ذلك البلد من ليبيا وغيرها، عمّق الاضطرابات في هذه المناطق. فبسبب توفر الأسلحة الحديثة، تحولت الخلافات القبلية التي كثيراً ما كانت تتفجر حول الموارد إلى حروبٍ يموت فيها عشرات، إن لم يكن مئات، مقابل عدد محدود من المصابين في الصراعات التقليدية. وهذا بدوره يصعّب التسويات التقليدية، من صلح وديّات وعفو. وقد تعمقت المشكلة بعد اندلاع الحرب في جنوب السودان عام 1983، حيث دعمت الحكومات المتعاقبة مليشيات قبلية في الإقليمين ضد متمرّدي الحركة الشعبية في الجنوب، ما كرّس مشروعية تداول السلاح خارج أيدي القوات النظامية. ثم جاءت حرب دارفور في عام 2003 لتكرّس التحالف بين الحكومة ومليشيات قبلية حاربت التمرد في دارفور، واتهمت دولياً بارتكاب فظائع.
وكانت قد صدرت قراراتٌ دولية من مجلس الأمن تطالب بنزع سلاح المليشيات المعروفة في دارفور بتسمية “الجنجويد”، وهي تنتسب إلى قبائل ذات أصول عربية، وقد اتهمت بالنصيب الأوفر من الفظائع، خصوصاً حرق القرى وتهجير أهلها والعدوان على المدنيين. أصدر مجلس الأمن كذلك قراراتٍ بالحظر وتجميد الأموال ضد شخصيات من دارفور، من أبرزهم الشيخ موسى هلال، زعيم عشيرة المحاميد من قبيلة الرزيقات، والمتهم بأنه القائد الفعلي للجنجويد. ولعلها مفارقة أن حملة جمع السلاح المعلنة حالياً استهدفت هلال والمليشيات التابعة له تحديداً، ما جعلها تهدد بالتحول إلى حرب جديدة بين المليشيات.
“لا يمكن أن ينفصل نزع السلاح في السودان عن عملية سياسية متكاملة، تعيد الثقة والتوازن بين الدولة وكل مكونات المجتمع”

وكانت الحكومة السودانية التفت على قرار نزع سلاح ملشيات هلال بتحويلها إلى قوة شبه نظامية، تحت مسمى “قوات حرس الحدود”، لكنها ما تزال تدين بالولاء للشيخ هلال، على الرغم من صفتها النظامية شكلاً. وقد رفضت قرار جمع السلاح، خصوصاً بعد أن أوكلت مهمة جمعه إلى قواتٍ شبه نظامية، أطلق عليها مسمى “قوات الدعم السريع” التي يقودها الفريق محمد حمدان دقلو (وشهرته حميدتي)، من عشيرة المهارية من قبيلة الرزيقات. وكان حميدتي من أتباع موسى هلال، لكنه انفصل عنه، وهناك منافسةٌ تاريخية بين العشيرتين. وقد أصبح لهذه القوات وقائدها نفوذ كبير، وتحظى بدعم الرئيس عمر البشير شخصياً، إلا أن الشيخ هلال، وبقية زعماء الميلشيات القبلية في دارفور، يعترضون على تولي قوات الدعم السريع عملية جمع الأسلحة، كونها جزءاً من التركيبة القبلية المشاركة في النزاعات في الإقليم.
وكانت إحدى المفارقات أن هلال دعا في 12 من أغسطس/ آب الجاري إلى مؤتمرٍ لأفراد قوات الدعم السريع في معقله الحصين في ولاية شمال دارفور، وأعلن بعده رفض هذه القوات مطلب الاندماج في قوات الدعم السريع بقيادة حميدتي، أو تسليم الأسلحة. وكان هلال قد عاد إلى معقله القبلي في 2013، تاركاً العاصمة السودانية الخرطوم، حيث كان عضواً في البرلمان، ويتولى منصب مستشار في وزارة الحكم الاتحادي، وذلك إثر خلاف طويل مع الحكومة والسلطات الإقليمية في شمال دارفور. ومن هناك، أعلن في مطلع عام 2014 تشكيل ما سماه “مجلس الصحوة”، في إطار تحالفات قبلية جديدة. وقد طالب المجلس كل قبائل دارفور بالامتناع عن دعم الحكومة، وهدّد بإعلان التمرّد ما لم تستجب الحكومة لمطالبه.
وأعلنت الحكومة، من جانبها، قبل أيام عن اكتشاف تعاون بين مليشيا هلال وزعيم الحرب الليبي، خليفة حفتر، لتفجير تمرّد جديد، واعتقلت أحد حراس هلال مع سبعة آخرين لدى تسللهم من ليبيا. وعليه، وجهت إنذاراً لهلال الذي تحاصر معقله الآن قوات التدخل السريع، إضافة إلى حشود عسكرية من الجيش أجرت تمارين بالذخيرة الحية قرب المنطقة.
وتشير كل هذه الإجراءات إلى التعقيدات التي تواجه حملة الحكومة لجمع السلاح في دارفور. فلكي ينجح جمع السلاح، لا بد من مواجهة العوامل التي دفعت الكل إلى حمل السلاح. صحيح أن بدايات انتشار السلاح كانت بعوامل خارجية، من أبرزها حروب تشاد والتدخلات الليبية، والحرب غير المباشرة بين ليبيا والولايات المتحدة في تشاد، ودخول السودان ومصر طرفاً فيها ضد ليبيا. ولكن عدم التوازن السياسي الذي أحدثته هذه الأوضاع، خصوصاً لجهة الهجرات من تشاد ومناطق أخرى، كان العامل الأهم في اندلاع الصراعات حول الموارد، وتصدّع العلاقات التقليدية بين القبائل، مع عجز الدولة المركزية عن لعب دورها المحوري حكماً موثوقاً به بين القبائل.

“من الأفضل أن تبدأ الحكومة بتفعيل الحوار الوطني الذي نادت به، وتحول فيما بعد إلى مناوراتٍ وترضياتٍ لقوى سياسية لا وزن لها”

وعليه، لا يمكن أن ينفصل نزع السلاح عن عملية سياسية متكاملة، تعيد الثقة والتوازن بين الدولة وكل مكونات المجتمع، فليس من مصلحة أي قبيلة أو فئة أن تكون في حالة توجّس دائم، وتسلح يكلفها غالياً، ويصرفها عن النشاط الاقتصادي البناء. ولكن الشعور بالأمن لا بد أن يقوم على ثقةٍ في مؤسسات الدولة، من حكومة مركزية وجيش ونظام قضائي وشرطة وإدارات محلية.
ومؤكّد أن استخدام قواتٍ تمثل، في تركيبتها، أحد أطراف الصراع لنزع السلاح من منافسيها ليس هو الحل الأمثل لبناء الثقة. وبالقدر نفسه، لا يخدم اعتماد نظام الترضيات الذي يوزع المناصب والمواقع على أسس قبلية مصلحة هدف بناء أجهزة قومية، تكون محل ثقة الجميع، وفي الوقت نفسه، تتعامل مع كل مكونات المجتمع بدون تمييز أو تفاضل، وإنما على أساس القانون والعدالة.
وعليه، من الأفضل أن تبدأ الحكومة بتفعيل الحوار الوطني الذي نادت به، وتحول فيما بعد إلى مناوراتٍ وترضياتٍ لقوى سياسية لا وزن لها، في مقابل استبعاد القوى ذات الوزن، وعدم الالتفات إلى القضايا المحورية، ومن أهمها ضمان قومية مؤسسات الدولة، وإبعادها عن المحاصصة السياسية، بدلاً من تحويلها لعبةً في هذه المناورات. لكي ينزع السلاح من كل جهة غير نظامية، لا بد أن تصبح القوات النظامية قوميةً ليس فقط في تركيبتها، ولكن في قيمها وأسلوبها، والتزامها الصارم بالقانون. وعليه، لا بد أن يسبق نزعُ الخوفِ والتوجّس نزعَ السلاح.