مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

ديار حاجي (سورية)

… استمرت الأحداث في سورية بالتطور التدريجي، ولاحظت، مع الأيام، أنّ السرقات باتت تنتشر في المشروع من دون رقيب أو حسيب، وأنّ الموظفين باتوا في أكثر الفترات إهمالاً للعمل والدوام وباتت الفوضى سيد الموقف في كل شيء.

لايزال مشهد حافلة مؤسسة الإسكان العسكري ذات اللون الأحمر ماثلاً أمام ناظري، حين كانت تقل عمالها وموظفيها من مدينة الحسكة إلى بلدة الشدادي في ريفها الجنوبي، والغنية بحقول النفط والغاز، والتي تبعد عنها مسافة 60 كم.
كانت هذه المؤسسة تنفذ منذ سنين، في تلك البلدة، مشروع إنشاء المشفى الكبير، وكنت أعمل في ورشة كهربائية في ذلك المشروع، لصالح أحد المتعهدين خارج المؤسسة. كنا نستخدم الباص في الذهاب إلى العمل، فتحولت إلى شاهد حي على قصة ذلك الباص الذي كان يمتلئ بتفاصيل كبيرة وصغيرة عن هذه المؤسسة والواقع الإداري والأمني والحياتي في الحسكة، إضافة إلى التحولات الجارية، إذ كان مضى خمسة أشهر على بدء الثورة في سورية، وكنت أتابع ردة الفعل المباشرة للأحداث التي تحصل في عموم المناطق السورية في ذلك الباص.
دفعني الفضول إلى الغوص في تفاصيل هذه المؤسسة التي أنشئت في 1975 بمرسوم تشريعي، حيث كانت الإصدار الجديد عن المؤسسة العامة للإسكان في سورية ذات الطابع المدني، والتي تم إنشاؤها قبل تولي حزب البعث زمام الحكم بسنوات، وأوكلت، في البداية، لهذه المؤسسة العمرانية العسكرية الجديدة مهمة إنشاء المباني السكنية الملائمة للعسكريين في الجيش السوري، إلا أنّه كان واضحا أنّ من خطط منذ البداية لإستحداث هذه المؤسسة ذات الطابع العمراني العسكري، والتي سوف توكل إليها مهمة بناء “سورية الأسد”، أراد أن يكون لها طابع عمل واسع النطاق جداً، ليس فقط ضمن إطار المؤسسة العسكرية، بل أن تمتد أذرعها إلى كل المشاريع الحيوية والإستراتيجية والتنموية في البلاد، مضيفة عليها الطابع والتخطيط العسكري ذا النظرة بعيدة المدى، والتي تخضع لشروط ومعايير أمنية، واعتبارات خاصة بالسلطة الحاكمة وحدها.
سرعان ما أخذت هذه المؤسسة طابعاً إنشائياً وبنائياً وصناعياً وزراعياً أيضاً، ولتصبح الراعي الأول والحصري للإعمار والبناء، راسمة المعالم والتفاصيل والملامح الأساسية في سورية طوال عشرات السنين، ابتداءاً من الطرق والجسور والأنفاق وانتهاءً بالمراكز الثقافية والجامعات والمسارح القومية والوطنية والمجمعات الرياضية في المحافظات السورية كلها في مشهد جدلي بين العسكرة والعمران الممزوج برغبات السلطة الحاكمة ومخططاتها الأمنية، إذ بدت الأشياء كلها واضحة أمامي، مع ترنّح ذلك الباص القديم المنهك، وكأنه كان يرمز إلى أشياء أكبر منه، ومن أحاديث أولئك الموظفين الحزبيين.
لم يكن يخطر ببالي، في ذلك الوقت، أنّ ذلك المبنى الكبير، والذي أعمل فيه سيصبح بعد سنوات أكبر مقرّات القيادة لتنظيم داعش في تلك المنطقة. كان ثمّة بركان من التغييرات يهيئ نفسه لكي يجتاح الحسكة وسورية كلها، وكان الاستغراب سيد الموقف لدى كثيرين من السياسة الهادئة التي يتبعها النظام السوري في محافظة الحسكة، على الرغم من أنه استخدم العنف المفرط في مناطق كثيرة، لكن ربما كنّا نحتاج سنوات، حتى نعلم أنّ تلك السياسة الهادئة كانت تندرج تحت مسمّى سياسة المناطق الهادئة.
استمرت الأحداث في سورية بالتطور التدريجي، ولاحظت، مع الأيام، أنّ السرقات باتت تنتشر في المشروع من دون رقيب أو حسيب، وأنّ الموظفين باتوا في أكثر الفترات إهمالاً للعمل والدوام وباتت الفوضى سيد الموقف في كل شيء.
سمعت، في أحد الأيام، أحد المشرفين على أولئك العمال، يقول لهم إن عليهم في المساء جميعاً أن يوجدوا في مقر حزب البعث في البلدة، حتى يتم توزيع السلاح على الأعضاء كافة.. ما كنت أخشاه، حين سمعت ذلك الكلام الرهيب أنّ هذا الأمر ربما يتكرر في كل مناطق سورية، وفي كل مكان توجد فيها هذه المؤسسة، وربما ساهم ذلك في إدراكي الحقيقي للغاية الأكيدة من إنشاء هذه المؤسسة، وتوسيع نطاق عملها في إطار أمني، حزبي، استخباراتي.. فها هي اليوم بصدد تحويل هؤلاء الموظفين الحزبيين الذين تنتشر قراهم من الحسكة إلى الشدادي، مروراً بتلك المنطقة الجافة الفقيرة، سيتحولون إلى جنود مدافعين عن نظامٍ سوف يحرق كل شيء، وربما ذلك المشفى الذي لن يكتمل بناؤه سيصبح الشاهد الأبرز والوحيد على التغيرات التي سوف تعصف في مدينة الشدادي التي كان سكانها من أكثر الناس بساطة في العيش وطيبة في القلب والمعشر.
أما الموظفون، فكانت نقاشاتهم السياسية ذات السوية الفكرية المحدودة التي يمتلكونها تأخذ كلّ وقتهم طوال الطريق، وفي العمل. كان بعضهم مدافعاً شرساً عن النظام وتعامله الأمني ضد المتظاهرين، وكان آخرون يستبشرون الخير بقرارات الإصلاح المزعومة والحكومة الجديدة، وهناك من كانوا يخافون قول ما في قلوبهم كانوا يتبادلون النظرات بين بعضهم بعضا، يسكتهم ذلك الراتب الشهري الذي هو سبيل الحياة في تلك الأرض القاحلة.
كان المشهد يترنح مع الحافلة بين التناقض والمنطق والمجهول، وكإنسان كردي في ذلك المشهد كان دوري يختصر كرفاقي على الصمت والتعاطف مع الثورة، وكنت أستمع طوال الطريق وبخلسة إلى أغاني سميح شقير، وإلى أغنية الفنان الكردي شفان برور التي أطلقها لنصرة الثورة السورية، ملبياً نداء شقير بعد عشرات السنين، تلك الكلمات كانت رياحاً تدخل إلى داخل الروح لأول مرة.

إعجاب تحميل...