5f843e34-5172-4e4b-aa3a-67e66b8e9834.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

معن البياري

قد لا يستطيب بعضنا المزاج العام في روايات صنع الله إبراهيم، ولا سيما من تستهويهم النثريّة الموشّحة باللغة الشعرية، وينجذبون إلى التأنق في العبارة والمفردة، فيما كتاباته معاديةٌ لهذا كله، بل إن كثيرا منها تبدو احتفاءً بالركاكة، وبالتعبيرات الحياديّة.

أتمّ الروائي المصري، صنع الله إبراهيم، قبل أيام، عامه الثمانين، فطرأت مناسبةٌ، في أوساط ثقافية وإعلامية مصرية وعربية، لتحيّته، وللإضاءة مجدّدا على تجربته في الكتابة والحياة، ولتبيّن جديده ومشاريعه، ولمحاورته في غير لقاء صحافي. وللحق، يستحق الكاتب المعروف دوام الانتباه إليه، لمكانته المهمّة في المدوّنة الروائية العربية، وتنوّع مناخات نتاجه الغزير، والمثير، وإنْ في البال إن بعضَنا لا يستطيب المزاج العام في أعماله، ولا سيما من تستهويهم النثريّة الموشّحة باللغة الشعرية، وينجذبون إلى التأنق في العبارة والمفردة، فيما كتابات صاحبنا، في عمومها، معاديةٌ تماما لهذا كله، بل إن كثيرا منها تبدو احتفاءً بالركاكة، وبالتعبيرات الحياديّة، والأوصاف الباردة. ولهذا السبب، تداخلت في روايات له، منها “بيروت.. بيروت” و”ذات”، مادة أرشيفيةٌ صحافيةٌ مع سرده الخاص، فتوازيا في تركيب مبنىً روائي، أظنّه كان لافتا. وقد طاف صنع الله في موضوعات نصوصه على فضاءاتٍ وتجارب وفيرة، وكان مفاجئا منه كتابته “العمامة والقبعة” عن أجواء في غضون حملة نابوليون في مصر، وفي البال أن ظفار في عُمان وبرلين وموسكو وبيروت وأميركا وغيرها كانت “ساحات” أعمالٍ له، كان فيها وفيّا لإيقاعه السردي العام الذي طبع منجزه، منذ “تلك الرائحة” (1966) إلى إصداره أخيرا روايةً كتبها قبل خمسين عاما واسمها “67”، مرورا بـ”اللجنة” و”نجمة أغسطس” و”وردة” و”التلصص” و”برلين 69″ و”شرف” وغيرها. 

من أسفٍ أنها قليلةٌ جدا المقابلاتُ الصحافية التي تحاور صنع الله إبراهيم في هذه الشؤون، في هذه المشاغل الأدبية المحضة. وغالبا ما تنصرفُ إلى آرائه السياسية، ومواقفه في محطاتٍ محدّدةٍ في سيرته التي لا يراها، هو شخصيا، مثيرةً، ولا مهمةً، ويقول إن “نتفا” منها تحضر في رواياته وقصصه. وشهيرةٌ كلمته في العام 2003، في حفل تكريمه بجائزةٍ مجزيةٍ في مؤتمر ثقافي عربي عريض في القاهرة، وأمام الوزير العتيد، فاروق حسني، وإعلانه رفضه تسلم الجائزة، وكانت الكلمة مرافعةً شجاعةً ضد السلطة الحاكمة في مصر. ومعلومٌ أيضا أنه، إبّان كان في الثانية والعشرين من عمره، سجنه نظام جمال عبد الناصر خمس سنوات، فاختبر تجربةً خاصة في حياته، ما انفكّ لاحقا يوضح أنها التي صنعت منه كاتبا. وفي أحدث محاورةٍ تلفزيونية معه، قبل أيام، جدّد صنع الله “مديح” عبد الناصر، وقال إن عهد الزعيم الراحل هو الأفضل في مصر، ففي ذلك الوقت “كانت مصر تسير على الطريق الصحيح، طريق البناء والمقاومة والكرامة”. وفي مقابلةٍ صحافيةٍ أخرى معه، جاء على الرواية التي يكتبها حاليا، (تحدّث عنها مراتٍ سابقة)، وهي عن عبد الناصر الذي يراه شخصيةً دراميةً من الطراز الأول. ولا يُغفل هنا أن صنع الله إبراهيم ليس الكاتب المصري الوحيد الذي حبسه عبد الناصر، فيما يمحضُه إعجابا (وإنصافا؟)، فقد سمع صاحب هذه الكلمات من عبد الرحمن الأبنودي قوله بالعامية “طلع اللي سجنّا أحسن من اللي ما سجنّاش”.
لا أولي اكتراثاً كثيراً بالآراء السياسية لصنع الله إبراهيم، ذلك أنها غالباً ما تكون انطباعاتٍ مسترسلةً وعامة. والمعروف أنه ذو تكوين يساري، منحازٌ للعدالة الاجتماعية وحريات الشعوب، ومعادٍ تماماً لإسرائيل، ويرفض الدكتاتوريات. ولهذه الأسباب، لم أكن أعدّ للعشرة وأنا أكتب مقالاً ناقداً له وناقماً عليه، نشرتُه إبّان مشاركته في مطالبات عبد الفتاح السيسي بالترشّح للرئاسة، في صيف 2013. وها هو الآن يطلب من المذكور الرحيل قبل أن تندلع ثورةٌ ضده، ويتحدّث في حواره التلفزيوني الجديد (مع جيزيل خوري) عن يأسٍ وإحباطٍ في الشارع المصري. ومن غريب ما اشتمل عليه الحوار أن عداء صنع الله إبراهيم للإخوان المسلمين أخذه إلى التزيّد في التشنيع على عام رئاستهم مصر، في قوله إنهم أرادوا تحويل مصر إلى دولة “ظلامية وهابية متخلفة”.
… أتذكّرني، في تلويحة المحبّة هذه إلى صنع الله إبراهيم، أقف قبل اثنين وثلاثين عاماً في أحد طوابق عمارةٍ في ضاحية مصر الجديدة في القاهرة، أتحزّر بيني وبين نفسي أيّ شقةٍ هي شقته، وكنت على موعدٍ معه فيها، فخمّنت أنها التي على بابها رسمٌ لعلم فلسطين.. وهو ما كان.

إعجاب تحميل...