نمرُّ في الجزائر بمرحلة أشبه ما تكون بعصور العبودية المطلقة، كتبتُ سابقًا عن المسلسل الكوميدي الذي بُثَّ في رمضان السابق (2017) مقالةً بعنوان: «تراجيديا السلطان عاشور العاشر» قلتُ فيها ما يلي: «إصابة مَكمن المعضلة التي يعيشها الجزائريُّون، فقد مثَّلت هذه الكوميديا نقدًا لاذعًا ومباشرًا لفساد السلطة وخراب اللُّحمة الاجتماعية، فاستيلاء عاشور العاشر على مقاليد الحكم وتقريب أسرته وجعلهم في أعلى مناصب الدولة التي سُمِّيت بـالمملكة – وهي تسمية ساخرة، لكنها مقصودة بكل ما تحمله الكلمة من معنى عند الجزائريين – كان ذلك رسالة واضحة جدًّا في نقد ما آلت إليه الجزائر من تدهور في المنظومة الحاكمة والتي تتراكم سلبياتها منذ عام 1962 في دوائر معروفة…»، كنا جميعًا -نحن الجزائريين- نعلم أن البلاد لا تُدار كما يريد الشعب، ولا توزَّعُ ثرواتها وخيراتها على أساس التوزيع العادل بين كل طبقات الشعب الجزائري، وهذا ليس وليد اللحظة بل هو تراكمية منذ سنة 1962 حين خرجت فرنسا وبقي «التفرنُس» سيد الموقف والحاكم الفعليَّ باسم قصر الإيليزيه حيث تُدار خيوطُ اللعبة السِّرِّيَّةُ، لكن العِقدين الأخيرين وذلك لَمَّا جيء بعبد العزيز بوتفليقة ليتولَّى رئاسة الجمهورية المُنهَكة من مأساةٍ دموية دامت نحو 10 سنين دفع فيها الشعبُ أرواح آلافٍ من أبنائه المدنيين والعسكريين أمام قوى ظلامية تبين لاحقًا أنها لا تسبِّح إلا بحمد فرنسا؛ أقول: هذان العقدان الأخيران شهِدا إطاحةً بكل قيم الشعب الجزائري، وتحولت الحرب من قتلٍ بالسلاح لأرواح الناس إلى قتلٍ بسلطة القانون لقيم هذا الشعب، وأصبحت مؤسسات الدولة ملكية خاصة لدائرة ضيقة جدًا، وبات الولاء محصورًا في الحاكم الوحيد والأوحد للبلاد، والذي قدَّم كل فروض الولاء -هو بدوره- لباريس وواشنطن بحفظ امتيازاتهما من النفط والغاز والشراكة المتينة فيما يسمى «الحرب على الإرهاب»، ويبدو أن خمسينية الاستقلال (2012) التي توقع فيها البسطاء طلاقًا بائنًا من فرنسا قد شكَّلت منعرَجًا خطيرًا جدًا لمسيرة الدولة الجزائرية فقد ظهر أن باريس تُحْكِم قبضتها بقوة على مقاليد السلطة في بلادنا، وسُلِب الجزائريون حقهم في «تقرير مصيرهم» لصالح مجموعة من رجال المال والجيش الذي تربطهم مصالح متشابكة جدًا في المشاريع العملاقة ونهب المال العام، ويُوَحِّد بينهم الولاء لفرنسا، ونحن نعلم جيدًا هؤلاء الذين حاولوا التنصل من بعض خيوط الارتباط مع قصر الإليزيه فأُحيلَ بعضهم إلى التقاعد وبعضهم تعرضوا للملاحقة القضائية وسُجِن منهم آخرون بتُهَم فساد هي أقرب للضحك والمسخرة منها إلى المحاكمات العادلة، وأي عدالة في بلدٍ دستورها الأعلى هو الفساد!

في منتصف التسعينيات 1995 أُتِيَ بأحد رموز النظام الذي تقلد عدة مناصب مرموقة؛ ليتولى رئاسة الحكومة في عهد الرئيس  الجنرال لمين زروال، هذا الرجل هو السيد «أحمد أويحيى» الذي نفَّذ عدة خُطَطٍ اقتصادية وأمنية للانتقال بالجزائر من العَشْرية السوداء إلى مرحلة أكثر استقرارًا بمنظور السلطة، وصف أحمد أويحيى نفسه حينها بأنه «صاحب المهمات القذرة» وربما فهِم الصحفيون والإعلاميون ومتابعو الشأن السياسي الجزائري كلامه ذلك بأنه يقصد إعطاء صورة لنفسه أنه المُخَلِّصُ الذي ينتظره الشعب للقضاء على «الجماعات الإرهابية» وبارونات الفساد التي أضرت بالاقتصاد الجزائري في ذلك الوقت، وبدأ فعلا في القضاء على عدة شركات وطنية كانت تقدِّمُ سلعًا محلِّيَّةً للسوق الوطنية ولكن هذا التغيير لم يكن بقصد تنظيف ميدان الاقتصاد بل كان وراؤه استقدام رجال أويحيى لوضع أيديهم على تلك الشركات عبر صفقاتٍ وهمية أو رمزية لتمريرها أمام «القانون» وأمام الشعب المسكين الذي لا يدرك شيئًا من حقائق اللعبة، إذْ لم يكن هناك شبحٌ أمام الناس سوى شبح الإرهاب والدم فكل من يأتي منقذًا من هذه المأساة فهو رجل المرحلة وسيد الموقف.

كان ذلك نجاحًا باهرًا لهم في مقابل باب جديد فُتِح على مصراعيه لمأساة اقتصادية سياسية أخرى تعصف بالشعب الجزائري، بدأ التوافق على وضع حدٍّ نهائيٍّ لإطلاق النار، مجموعاتٌ كبيرة من الشباب المسلَّح «المغرَّر بهم» نزلوا من الجبال ودخلوا في برنامج الوئام المدني والمصالحة الوطنية التي سُوِّقَ لها في المحافل الدولية أنها نموذج جزائري أصيل في حل النزاعات المسلَّحة والخروج بالبلاد من مرحلة الاحتراب إلى مرحلة الاستقرار وانتشار الأمن، وقد كان حدثًا مميزًا جدًا أن ألقى هؤلاء السلاح واندمجوا في المجتمع وتحصَّلوا على مُغرِيات مادية لبناء مستقبلهم ونسيان الماضي الدموي لهم ولأسيادهم، لا يزال الشعب يتساءل عن هذه العصا السحرية التي جعلت «الإرهابيين» يتوبون ويندمجون في المجتمع ويسكنون القرى والمدن الكبرى ويتحولون إلى رجال أعمال وأصحاب شركات في بضع سنين! لله الأمرُ من قبلُ ومن بعدُ! ليس ذلك مهمًّا رغم كونه مصدر قلقٍ كبيرٍ لحد الآن، فالمهم في نهاية التسيعينيات هو توقف نزيف الدم الذي أرهق الجزائريين، وأصبح الأمن مقدَّسًا جدا لدرجة أن كافة القيم والحقوق تتساقط أمامه، هنا بدأت مرحلة ضرب الإنسان وسَلْبِه حقوقه المبدئية باعتباره إنسانًا له الحق في حرية التعبير واختيار من يحكمه والحصول على نصيبه من ثروات البلاد.

بدأت الخطابات الميدانية للرئيس عبد العزيز بوتفليقة تحظى بشعبية واسعة في غالب الولايات، فالناس يرون أنه المنقذ لهم وللبلاد من العَشْرِيَّة السوداء، لذا فكل ما يقوله صواب وكل ما يقترحه مقبول وكل برنامج يخطط له مرحَّبٌ به ومدعوم من قِبَل الشعب وممثليه! وانتهج الرئيس خطًّا واضحًا منذ البداية: المال، مؤسستان عريقتان من مؤسسات الشعب الجزائري فُتِحت لهما خزينة المال مع ارتفاع سعر البترول إلى مستويات قياسية جدا على الصعيد العالمي -ويبدو ذلك هو الحظ الذي رافق السلطة الجديدة مع بداية عام 1999-، بات الولاء مطلقًا للرئيس من طرف قيادات كبيرة في الجيش وشيوخ الزوايا، وهما الجهتان الأكثر قداسة عند الجزائريين، فالجيش الوطني الشعبي هو الجدار المنيع الذي يحمي الوطن، والزوايا الصوفية هي المنارة التي تحفظ تديُّن الجزائريين ضد الفكر المتطرف والتيارات التي تعبث بمظاهر الدين الإسلامي في بلادنا، فالذي يسيطر على هاتين الجهتين فقد سيطر على كل شيء في الجزائر.

حين انزلق هؤلاء في لعبة المال؛ انتهى كل شيء واصطدم الجزائريون بما يمكن أن أسمِّيَه بـ«نهاية التاريخ» إذ لا يمكن تغيير أي أمرٍ، لا فرق بين سنة 1999 وبين هذ العام الذي نحن فيه 2017 فالحاكم واحدٌ واللاعبون المحلِّيُّون لا يتغيرون بالمطلق، والتوافق الخارجي ثابتٌ إلى أبعد الحدود مع تغيير في بعض الجزئيات الطفيفة كما حدث مؤخرًا في الانقلاب الناعم ضد مدير سوناطراك -البقرة الحلوب- حيث جيءَ بأحد رجالات الولايات المتحدة الأمريكية رغم كونه تعرض للمطاردة القضائية سابقًا بتهمة خطيرة جدا وهي التخابر مع واشنطن ضد الدولة الجزائرية، وهذا كافٍ في معرفة أن الجهة الحاكمة يمكنها التنازل عن أي شيء لأجل البقاء في السلطة مها كلَّفَ الأمر!

محطات عديدة جدا يمكن استحضارها وتحليلها لمعرفة ماساة الجزائر السياسية – الاقتصادية التي عقبت مأساتها الأمنية، آخرها هو تعيين السيد عبد المجيد تبون رئيسًا للحكومة وبدئه في تحريك ملفَّاتٍ لا يرضى الحاكم الفعلي للبلاد بأن تكون عرضة للنظر والتفتيش، عصابة المال كانت قد ثبَّتت وجودها منذ سنة 1995 فمن الصعب أن يمكن تبون من الإضرار بها بل ويُمنع عليه انتقادها بأي شكل من الأشكال، لذا توقع المراقبون أنه يعرِّض نفسه للإقصاء عاجلا أم آجلا، ذهب الرجل في عطلة جميلة إلى باريس -كعبة المسؤولين الجزائريين- واجتمع برئيس حكومتها في لقاءٍ غير رسمي لم يفهم أحدٌ لماذا وكيف حصل؟ وهل كان بطلب من عبد المجيد تبون نفسه أم بأوامر من الدولة العميقة في فرنسا الاستعمارية؟ وبأي حال؛ فقد كان ذلك سببًا في رميه برصاصة الرحمة للقضاء على منصبه السياسي الجديد الذي لم يدم إلا أقل من ثلاثة أشهر، وكان ذلك -أيضًا- دليلا قويًّا ومُرْعِبًا على أن الحاكم الفعلي للجزائر يتعامل بكل هدوءٍ وطمانينة في اتخاذ قراراته حتى على أعلى مستويات، ورد الخبر العاجل على شاشة قناة «النهار» -وهي الجهة الإعلامية الأكثر شراسةً في معاداة القيم الجزائرية- بأن رئيس الجمهورية أصدر قرارًا بإقالة عبد المجيد تبون وتعيين أحمد أويحيى خلفًا له!

هي اثنان وعشرون (22) سنةً إذن على أول ظهورٍ لهذا الرجل في دواليب الحكم العليا، جاء صاحب المهمات القذرة -كما أطلق هو على نفسه- سنة 2017 ليترأس حكومة بلدٍ منهَكٍ ليس أمنيًّا بل سياسيًّا واقتصاديًّا بفعل السياسات الممنهجة لنهب المال، فهل سيرحب به الجزائريون كما رحبوا به سنة 1995؟ وهل من مُسَوِّغٍ أخلاقي يمكن للسلطة أن تجابه به شعبها لتمرير هذا القرار الرئاسي الخطير؟! أو لنكن واضحين أكثر في طرح أسئلتنا: هل يجعل الحاكم الفعلي لبلادنا في حساباته أي رقمٍ صعب للشعب حتى يتعامل مع ردة فعله أو تطلَّعاته في معيشة أفضل وعدالة أكثر؟ كل ذلك يبدو كلامًا رومانسيًّا جدًّا إذا عرضْناه على أرض الواقع، فالأمر الأكثر خطورة هو أن الشعب لم يحركْ ساكنًا أبدًا تجاه قرار تعيين أحمد أويحيى رئيسًا للحكومة، وهذا يعني أن ثماني عشرة سنة (1999- 2016) كانت كافية جدا لتحطيم قيم هذا الشعب، بحيث يمكن تمرير أي تغيير دستوري أو أي تعيينات في دوائر الحكم العليا وإجراء أي تغييرات اقتصادية حادَّةً دون أن يُقدِّم الشعب ردة فعل مناسبة، الوضع بات أشبه بمَلَكِيَّة ديكتاتورية مطلَقة ليس فيها أي معنى للدستور والبرلمان، بمعنى: أنه لا قيمة للشعب في أي إجراء تتخذه السلطات، فالجيش والإعلام (العام والخاص) والهيئات الدينية (صوفية – سلفية) والمعارَضة السياسية (إسلاميون – علمانيون – وطنيون) كل ذلك أصبحت مؤسسات تابعة بقوة المال للحاكم الفعلي الذي يتخذ من أخيه غطاءً دستوريًّا لفرض كل ما يريد، والذي قد يكون فعلا هو الحاكم العلنيَّ في انتخابات عام 2019، وكل شيء في هذه المملكة ممكن ومحتمل!