مشهد أول ـــ حافي القدمين: في الشتاء الماضي انطلقت مراسم بدء امتحانات الفصل الدراسي الأول في العديد من الجامعات المصرية، وكان يستدعي ذلك المزيد من التركيز حتى نتمكن من تخطي الفصل الدراسي الأول بنجاح، حلت علينا الامتحانات، وكنت مثلي مثل العديد من طلاب الجامعات ينتابه الشعور بالقلق، أثناء تجهيز أدواته لحضور أول أمتحانات الفصل الدراسي الأول، وكان من الغريب أن هذا الشعور كان كفيلًا أن ينسيني البرد القارس الذي أتكبده، بالرغم من ملابسي ثقيلة الوزن قاتمة اللون، وجعلني غير مهتم أيضًا بالجمال الفيزيقي الخلاب ما بين هطول الأمطار قاطعةً شعاع الشمس الدافئ والسماء الصافية المزخرفةً بألوان الطيف الجميلة، وأثناء تهافتي علي اللحاق بورقة الامتحان وجدت ما جعلني أسرح بذهني لدقائق محدودة وأنسي فزعة الامتحانات أمام البوابة الرئيسة بجامعتي.

وجدت طفلًا ذا وجه مشحوب يرتدي ملابس شتوية غير متناسقة، وحافي القدمين، يفترش الأرض سريرًا؛ لاحتياجه لبضع دقائق من الراحة قبل عودته لمزاولة عمله، تأملت في حال هذا الطفل للحظات قليلة، وأخذت التساؤلات تدور في ذهني.

يا إلهي! من هذا الطفل؟ ولماذا ينام في الأرض هكذا؟ وهل جسده النحيف يستطيع أن يتحمل صلابة الأرض وقدماه الصغيرتان الحافيتان هل من الممكن أن تتكبد البرد القارس؟ وأثناء هذه التساؤلات الدائرة في رأسي تفاجأت بصوت يهمهم بكلمات غير مفهومة، ولكن فحواها يحمل جميع معاني الأسى على حال هذا الطفل، ونظرت إليه فوجدته رجلًا خمسينيًا همس إلي بسؤال عن إذا كنت على معرفة بهذا الطفل أم لا؟ فأجبته بلا، ولكنه فاجأني مرة أخرى، ولكن هذه المرة فاجأني بإنسانيته الرفيعة، ووجدته يوقظ هذا الطفل ويسأله عن أهله وعن أحواله وظروفه الصعبه التي جعلته يفترش الأرض الصلبة سريرًا ويسير عليها حافي القدمين.

أجاب الطفل الرجل بأنه ليس له أهل حتى يلجأ إليهم؛ فتأثر الرجل، وأخذ الطفل حتى يشتري له حذاء يرتديه يساعده على التخلص من بعض آلامه، فأستأذنني الرجل أن أذهب معه لشراء حذاء لهذا الطفل، ولكن وقت الامتحان كان قد أزف، ولم أستطع الذهاب مع هذا الرجل العظيم لشراء حذاء للطفل؛ فأعتذرت له، وتقبل اعتذاري بوجه مبتسم، وبعد خروجي من الامتحان دارت التساؤلات من جديد، هل سيستمر هذا الطفل في رحلاته المكوكية في الشوارع، دون أن يأخذ حقوقه  المستحقة والطبيعية والقانونية من المجتمع ومن الدولة التي يعيش فيها؟ ولكن لحظات بسطية ولاحقني سؤال آخر: ما النتيجة التي تقع على هذا الطفل، وعلى المجتمع إذا استمر يتجول في الشوارع آناء الليل وأطراف النهار، دون أن يحصل علي حقوقه الإنسانية المستحقة؟ ولكن سرعان ما حسمت تساؤلاتي بأن هذا الطفل حتى إذا تحول إلى مجرم، فإن من يستحق المساءلة أولًا، ليس هو، بل من أودى به إلى هذا الوضع الرديء.

مشهد ثان ـــ مكالمة هاتفية: أثناء حديثي مع صديق مقرب لي خلال مكالمة هاتفية، يوجد بيني وبينه العديد من القواسم المشتركة، سواء دراستنا العلوم القانونية، ولكنه يكبرني ببضع سنوات، أو اهتمامنا بحقوق الطفل أو اهتمامنا بالقراءة والكتابة، وأثناء الحديث معه تطرق بنا الحوار إلى موقف مر به أثناء عمله كتاجر في أحد شوارع القاهرة، واتفق صديقي معي أنه سيقوم بصياغة الموقف كتابتةً، وسيرسله لي، بل أرسله لي بالفعل، يقول صديقي في مكتوبه: بعد أن غابت شمس النهار وجاء ظلام الليل، بالرغم من أنوار أعمدة الإنارة، وفي أحد المناطق العشوائية في قلب القاهرة، ظهر طفل مزين بالبشرة السمراء، ورقبته قد شوهت، وكل ما يرتديه من ملابس ممزق، ولا يظهر عليه شيء من الطفولة سوى صغر جسمه، متوجهًا لي قائلًا: (بكم الكاب ده؟) فأجبته بدون أهتمام (لأن مثله غالبًا لا يشترى) بـ35 جنية، سكت برهة ثم قال: (ماينفعش بـ30 جنيهًا معلش!)، قلت له: (ينفع)، وبالفعل أخرج نقوده، وأعطاني ثمن الكاب، وأعطيته الكاب، ورأيته قد ظهر علي وجهه السعادة والفرح، وشرع يحسب ما تبقي لديه من مال ويسأل عن (كوتشي وتيشيرت وبنطلون)، دار في ذهني الكثير والكثير من الأسئلة منها مصدر هذه النقود؟! بالرغم من قلتها ومنها الوضع السيئ الذي وصل إليه مجتمعنا، ومنها استنفاري على وضعي بالرغم من أن وضع الطفل يفوق كثيرًا، وشرعت أفكر في وضع حلول لهذه الظاهرة، وبالفعل توصلت لبعض الحلول، لكنها ستبقى مجرد أفكار إلى حين امتلاك القدرة على تنفيذها إذا أراد الرحمن!