في النصف الثاني من شهر يونيو (حزيران) 2011 قرر مجلس شورى جماعة الإخوان المسلمين فصل الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح أحد أهم قيادات الجماعة بعدما أعلن عزمه الترشح للانتخابات الرئاسية المصرية، لقد رأى الإخوان في ذلك شقًا لعصا الجماعة التي كانت قد اتخذت قرارها من قبل بعدم الدفع بأي من أعضائها لخوض لخوض السباق الرئاسي، لم يكن ذلك القرار هو الوحيد الذي اتخذته جماعة الإخوان بعد بزوغ نجمها في تلك الفترة، فلقد سبق ذلك القرارَ قرارٌآخر، وهو خوض الانتخابات البرلمانية بمبدأ المشاركة لا المغالبة، وهذا ما ورد على لسان الدكتور محمد بديع، المرشد العام للجماعة، ولقد تراجعت الجماعة عن هذين الوعدين.

أيها المسلمون في كل مكان، هذه الكلمات إن قمنا بعدها فلن يتجاوز عددها المائة كلمة، لكنها تحمل في طياتها إشارات ودلالات هي من الأهمية والخطورة بمكان، فلا شك في أن كل المخالفين للمعسكر الإسلامي قد وقفوا مراقبين لهؤلاء الذين حملوا أمانة الدفاع عن الإسلام، هؤلاء الذين وعدوا بتمكين الإسلام، ولا شك في أن العالم كله قد وقف شاخصا ليرى فنون السياسة الشرعية التي سوف تغير خارطة العالم، العالم كله من الموالين والمعارضين ينتظرون العجب العجاب من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم.

وإذا بهم، بعد بزوغ نجمهم، يدخلون في مرحلة عجيبة من التخبط والعشوائية.

لقد بدءوها بوعد المشاركة لا المغالبة، ثم نكصوا على أعقابهم، وشاء ربك أن يُحلَّ ذلك البرلمان، بالرغم من علمهم، قبيل الإعلان عن نتيجة الانتخابات الرئاسية التي أيضًا وعدوا بعدم خوضها، ثم كالعادة نكصوا على أعقابهم، نعم، هي كياناتٌ تم إنشاؤه باسم الإسلام، ولما حانت الفرصة رأينا ممارساتٍ تُجاري السياسة المعاصرة التي لاتعترف بالعهود والمواثيق.

لم يكن الأمر متوقفا عند هذا الحد وفقط، بل لقد كان ذلك على مرأى ومسمع من علماء الأمة الذين عاينوا ذلك، بل شاركوا فيه بالمبايعة، ثم تقديم التهنئة مع كل ظاهر بدا وكأنه نجاح، دون أن يخرج واحد ويوجه إليهم النصح، لم يخرج واحد ليقول لهم ، أنتم تسيئون إلى الإسلام، نعم، لقد أساءوا إلى الإسلام أمام الله أولًا، ثم أمام العالم كله، فهؤلاء أتباع محمد صلى الله عليه وسلم، قد ظهروا بعد استضعافٍ استمر لعقود، ولكنهم خذلوا المبادئ التي كانت ديدنهم الرئيس في مرحلة ما قبل الظهور، لقد تملَّقوا القوة وانقلبت عليهم، لقد تباهَوا بالأعداد أمام الخصوم، وسرعان ما تلاشت أمام القوة؟

لقد كانت ثورة الخامس والعشرين من يناير بمثابة الرياح التي هبَّت لتُزيل الغبارعن الحقيقة التي كان عليها التيارالإسلامي كله، فالهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح، ثم مجلس شورى العلماء قد أعلنا عن تأييدهما للدكتور محمد مرسي، وهذان الكيانان فيهما جُلُّ علماء مصر تقريبًا، ربما تغاضى علماؤنا عن الفوارق ما بين النظرية والتطبيق نظرًا ومراعاةً للوعود التي حصلوا عليها من د محمد مرسي، وسرعان ما انقلب معظمهم عليه بعد ذلك بسبب مواد الدستور وأمر فتح الباب أمام السياحة الإيرانية، ثم (الشروع في سن قانون يمنع غيرالأزهريين من صعود المنابر، والعهدة على الشيخ مصطفى العدوي)، الكل كان يخدع الكل، (وفي الجهة المقابلة قد رأينا آخرين قد أعلنوا تأييدهم للدكتور عبد المنعم أبو الفتوح ، ولم يكن هذان المرشحان فقط هما المحسوبان على التيار الإسلامي، بل كان هناك الدكتور محمد سليم العوا، والدكتورعبد الله الأشعل، إنها الفوضى، لقد نسيَ الجميع صرخاتهم على مدارعقود في وجه الحكام العرب مطالبين إياهم بلم الشمل وتحقيق الوحدة العربية، ولما كانت الفرصة لم يسع أحدهم إليها.

أخي المسلم في العالم كله، ينبغي ألا تتعجب من ضياع الحكم في مصر بعد عام واحد؛ لما كان من تناقض.

فلقدأجازوا المظاهرات من باب الضرورة، أجازوا الخروج من باب الضرورة، وهنا أقول: لو أنهم بدءوا في الأخذ بالعزائم بعد سقوط مبارك، فلربما تبدلت الحال قليلًا، ولكنهم واصلوا، فأجازوا تأسيس الأحزاب من باب الضرورة، قالوا بالديمقراطية من باب الضرورة، أباحوا الكذب وخيانة العهود من باب الضرورة، أصَّلوا للفُرقة من باب الضرورة، بالله عليكم هل يذكرأحدٌ أمرًا واحدًا خاضه الإسلاميون أخْذًا بالعزائم؟ بل هل يذكر أحدٌ سببًا واحدًا من أسباب النصر قد بذلوه؟ أبالضرورات والرخص فقط يكون التأسيس لقيام أمة قال الله عنها: كنتم خيرأمة أُخْرِجتْ للناس؟

أيها المسلمون في العالم كله، لما كانت البداية كذلك، وضع الله في طريقهم عبدالفتاح السيسي، ذلك الذي استطاع أن يلعب بالجميع، خدع الجميع، كذب على الجميع، أطاح بالجميع، وأخذها عنوة، فكان مصيره نفس مصير الإسلاميين الخذلان، ذلك لأن الجميع فقط تكلم باسم الإسلام، وقد خذلوه.

وماذا بعد الإطاحة؟ لقدأباحوا الشتيمة والسخرية والتخوين لكل مخالف، واستدلوا بقول الل: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّامَن ظُلِمَ ، وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًاعَلِيمًا. بالله عليكم، أي فهمٍ هذا؟!

وأعلم أن هناك من سيقول: لقد خالف الإسلاميون وعودهم نظرًا للمتغيرات السياسية، أقول لك، هذا دليل على إدانتهم، لأنه كان ينبغي عليهم أن يكونوا على علم بخطورة وطبيعة المرحلة لقد كانت ثورة، وما أجبرهم أحد على استباق الأحداث، ثم الذي يفصل بيننا في ذلك هو المآل، فالعبرة بالمآلات.

أيها الأخوة ، هذا هو الإسلام، فهذا هو سيدنا حذيفة بن اليمان يقول، ما منعني من أن أشهد بدرًا إلا أنني خرجتُ وأبي حُسَيل قاصدين المدينة، فاعترَضَنا كفارُقريش، فقالوا تقصدون المدينة أم محمدا وجيشه؟ فقلنا قاصدين المدينة، فقالوا، إن كنتم صادقين فأعطونا العهد والميثاق بألا تقاتلوا في جيش محمد، قال سيدنا حذيفة، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرناه بما كان منهم ومنا، فقال صلى الله عليه وسلم، انصرفا، نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم. وبالفعل لم يشهدا بدرا، وهذا درس من أعظم الدروس في الوفاء بالعهود حتى مع الأعداء المشركين، وقت الحرب.

هذاهوالإسلام، يوم الحديبة، يوم أن أبرم النبي صلى الله عليه وسلم الصلح بينه وبين السُّهَيل بن عمرو، وكان من البنود المتفق عليها، أن يرد الرسول صلى الله عليه وسلم من جاء إليه من قريش مسلما دون إذن وليه، ولا تَرد قريش من يأتيها من المسلمين، لقد تم الاتفاق على البنود، ولكن قبل أن يوَقِّع الرسول صلى الله عليه وسلم على كتاب الصلح، إذا بأبي جندل بن سهيل بن عمرو يأتي مسلمًا، فلما رآه أبوه السُّهيل، قام إليه فضرب وجهه، وأخذ بثيابه، ثم قال، يا محمد، قد حُسِمَتْ القضية بيني وبينك قبل أن يأتي هذا، قال، صدقت.

فأخذ سهيل يجرابنه ليرده إلى قريش، وجعل أبوجندل يصرخ بأعلى صوته، يا معشرالمسلمين ، أأرَدُّ إلى المشركين يفتنونني في ديني؟ فقال صلى الله عليه وسلم، يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا وأعطيناهم على ذلك، وأعطونا عهد الله، وإنا لا نغدر بهم.

أيها الأخوة، كثيرة هي الأمثلة والمواقف التي وردت في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرة أصحابه من بعده، تلك التي تؤكد على أن ما كان بعد ثورة يناير من ممارسات، إنما أضرت بالجميع ، ولقد تحمَّل تبعتها الجميع ، فليتنا نراجع أنفسنا لنعلم أن تلك الفصائل ماسعت لتمكين الإسلام، نعم، لقد تعددت الرايات والغايات، فنشب الصراع والشقاق، حتى عاد الجميع إلى مرحلة ما دون الصفر.

قال الله، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ،  لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِوَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ.

وأخيرًا، قد يقول قائل: لو جاءت الفرصة مرة أخرى، فهل لديك تصور؟

أقول نعم، وذلك في مقالتي القادمة.