برحيلها في لندن، تنضم المناضلة فاطمة أحمد إبراهيم إلى قائمة طويلة من القيادات السودانية السياسية والنقابية، والقامات الرفيعة من كتاب وشعراء والقامات الفنية وقيادات العمل العام في السودان، الذين فاضت أرواحهم في المنافي خارج بلدهم.

لعل كثيرين في السودان يجتهدون الآن في شرح يطول لأبنائهم عمّن تكون فاطمة أحمد إبراهيم. ويكد الأجداد في رسم صورة لأحفادهم لفاطمة التي استقرّت في وجدان أجيال في السودان رمزا للمرأة السودانية المقاومة الجسورة، والأم الشجاعة التي قاومت بؤس الأنظمة التي حكمت السودان، وتطلعت إلى تغيير ليس لحياة المرأة وحدها، وانما واقع بلد بحاله. وفاطمة أحمد إبراهيم مسيرة نادرة، قلما تجد مثلها إلا في الأساطير وأضابير الكتب. مثلها وبحكم وضع أسرتها الجيد، والذي يوفر لها كل ما تصبو إليه لصياغة مجدها الخاص، بكل ما تتمتع به من ذكاء وجلد ومثابرة، لكنها اختارت أن تشق طريقها في وجهة مختلفة، درب نضال وعر وشاق في زمنٍ كان مجرد أن تحلم فيه البنت في السودان في نيل قسط من العلم ضربا من المستحيل.
ولدت في الخرطوم، ونشأت وسط أسرة متعلمة ومتدينة، فجدها لأمها كان أول ناظر لمدرسة للبنين وإمام مسجد، وتخرج والدها في كلية غردون، ووالدتها من أوائل اللواتي حظين بتعليم مدرسي في السودان. وللأسرة سجل حافل في مقاومة الظلم والاستعمار، وهو ما ترك أثره عليها وعلى إخوتها، وخصوصا وزير الري الأسبق، مرتضى أحمد إبراهيم وشقيقها الدبلوماسي والشاعر المعروف صلاح أحمد إبراهيم. تتحدث عن نفسها بأن وعيها السياسي الذي تشكل مبكرا منذ حادثة فصل إدارة التعليم البريطانية في السودان والدها من عمله معلما أيام الاستعمار البريطاني، لرفضه تدريس اللغة الإنكليزية. وعاشت فاطمة حياتها، ومنذ مراحل مبكرة من عمرها وحتى آخر أيام حياتها، مكرسة لقضية التحرّر وتقدم السودان. قادت وهي بعد طالبة في أمدرمان الثانوية، أول إضراب نسائي في السودان يطالب بعدم حذف المقرّرات الدراسية العلمية واستبدالها بالتدبيرالمنزلي والخياطة، وحقق الإضراب أهدافه، وتراجعت إدارة المدرسة عن قرارها.
تحت إلحاح الضغوط الاجتماعية على الأسرة، اضطرت فاطمة لوقف مسيرتها التعليمية في 
“استقرّت في وجدان أجيال في السودان رمزاً للمرأة السودانية المقاومة الجسورة والأم الشجاعة”

المرحلة الثانوية، على أن هذا لم يمنعها عن مواصلة نشاطها السياسي والاجتماعي، فأسست، إلى جانب رائداتٍ في العمل النسوي في السودان، الاتحاد النسائي السوداني عام 1952. وما لبثت، وبفضل نشاطها وعملها الدؤوب وجرأتها في التصدّي لقضايا المرأة في السودان، أن أصبحت أيقونة النضال النسائي في السودان ورمزه. وقد حققت في هذا الطريق إنجازات تاريخية، ليس للمرأة السودانية فحسب، وإنما المرأة العربية. ومن أولى ثمار هذا النضال أن دستور الاستقلال لعام 1954 تضمن إقرار حق المرأة في التصويت والترشح
للبرلمان، وحق المرأة في التمثيل في كل المؤسسات التشريعية والسياسية والإدارية متساوية تماما مع الرجل. والتحقت فاطمة، تحت تأثير شقيقيها مرتضى وصلاح، بالحزب الشيوعي السوداني عام 1954. وكان لذلك تأثير كبير في صقل تجربتها السياسية، ودفع عمل المرأة ونضالاتها في السودان. وبدخولها اللجنة المركزية للحزب، أصبحت أول امرأة تتبوأ منصبا سياسيا رفيعا في الحياة السياسية في السودان. ولها الفضل في ولوج العمل النسوي آفاقا كانت حكرا على الرجال، فرأست تحرير مجلة صوت المرأة التي يصدرها الاتحاد النسائي، والتي تحولت إلى منبر مهم لطرح قضايا المرأة السودانية، ما أسهم في تحقيق مكاسب لحركة المرأة التي بدأت تدخل في مجال الصحافة السودانية، بعد أن أثبتت جدارة في العمل الصحفي في “صوت المرأة”. بل تحول الاتحاد النسائي منظمة تضم عضوية واسعة في الأرياف السودانية، وأسهم بقوة في مكافحة الأمية وسط النساء، وتحقيق مكتبسات اجتماعية، أهمها نشر ثقافة العمل الطوعي والتعاونيات النسوية. وكان الاتحاد النسائي، وبفضل قيادة فاطمة أحمد إبراهيم الحركة النسائية، منصة لعبت فيها المرأة السودانية دورا بارزا في إطاحة نظام الرئيس إبراهيم عبود في الثورة الشعبية في 21 أكتوبر/ تشرين الأول من عام 1964. وتوج نشاط المرأة، وفاطمة كقائدة للعمل النسوي العام، في فوزها الصريح ودخولها البرلمان المنتخب عام 1965، لتصبح أول امراة تدخل البرلمان السوداني، بل أول امرأة في العالم العربي وأفريقيا تفوز في انتخابات برلمانية حرة.
فاطمة أحمد إبراهيم قصة نضال لم يعرف المهادنة والضعف. شهد السودان، في يوليو/ تموز عام 1971، أحداثا دامية على إثر فشل انقلاب قاده الرائد هاشم العطا على حكم جعفر النميري الذي أقدم على نصب المشانق لقيادات الحزب الشيوعي السوداني، فيما عرف بمجزرة الشجرة. وأعدم عبدالخالق محجوب وعددا من قادة الحزب. وكان زوج فاطمة أحمد إبراهيم، القائد العمالي العالمي البارز، الشفيع أحمد الشيخ، وهو أحد قادة الحزب الشيوعي، من بين من أعدمهم النميري، على الرغم من صدور حكم ببراءته، وكان مجاهرا برأيه في عدم تأييده انقلاب النميري، ومن ثم محاولة انقلاب عضو الحزب الشيوعي، هاشم عطا، ولم تنجح

“فاطمة أحمد إبراهيم قصة نضال لم يعرف المهادنة والضعف”

الوساطات الدولية في وقف تنفيذ حكم الإعدام عليه. وأقدم النميري على اعتقال فاطمة، وهي أم لطفلها الوحيد أحمد (3 سنوات)، وهو الطبيب اليوم، والذي سيكون مرافقا لجثمان والدته من منفاها في لندن، ووضعت تحت الإقامة الجبرية في منزل الأسرة في أمدرمان عدة سنوات.
وبعد انقلاب الجبهة الإسلامية عام 1989، اضطرت فاطمة، وتحت ضغوط حزبية وأسرية، ولحالتها الصحية، إلى أن تغادر إلى لندن عام 1990، مع سودانيين كثيرين، سياسيين وكوادر أحزاب نفتهم الدولة إلى الخارج، وأحالت ملايين من الخدمة المدنية إلى التقاعد، أو ما عرف بالصالح العام. ولم تعرف فاطمة الهدوء، وواصلت نشاطها النسوي من لندن، حتى اختيرت عام 1991 أول رئيسة للاتحاد النسائي الديمقراطي العالم (IDWU) ، فكانت أول امرأة عربية
وأفريقية مسلمة تتولى هذا المنصب. وفي 1993، كرّمتها الأمم المتحدة، ومنحت جائزة حقوق الإنسان، ثم منحت الدكتوراه الفخرية من جامعة كاليفورنيا عام 1996، لجهودها في قضايا النساء واستغلال الأطفال. وتركت للمكتبة العربية والسودانية مؤلفات غاية في الأهمية، في مقدمتها، قضايا الأحوال الشخصية، قضايا المرأة العاملة السودانية، والمرأة العربية والتغيير الاجتماعي، حصادنا خلال عشرين عاماً، آن أوان التغيير ولكن، أطفالنا والرعاية الصحية.
وبرحيلها في لندن، تنضم المناضلة فاطمة أحمد إبراهيم إلى قائمة طويلة من القيادات السودانية السياسية والنقابية، والقامات الرفيعة من كتاب وشعراء والقامات الفنية وقيادات العمل العام في السودان، الذين فاضت أرواحهم في المنافي خارج وطنهم. عاشت حياتها لأجل قضية، ورحلت تاركة إرثا عظيما وسيرة عطرة. حينما يوارى جثمانها في الثرى، ستجد نفسها في المكان حيث أحبتها والأقربون. وهناك حيث يرقد الكاتب الراحل الطيب صالح، وليس أجمل من كلماته في كتابه “مريود” “دفناها عند المغيب، كأننا نشتل نخلة، أو نستودع باطن الأرض سراً عزيزاً، سوف تتمخض عنه في المستقبل بشكل من الأشكال”.