من في السلطة يعتبر دائما كل المحاولات الإصلاحية تهديدا إرهابيا، مهما كانت سلمية نبيلة. وقتْل المواطنين الأبرياء وحبْسهم وظلمهم ثمن هيّن لدى من في السلطة، في سبيل حماية الدولة من وجهة نظرهم، أو في سبيل حماية النظام.

تحكي مسرحية ألبير كامو “البررة” عن ثلاثة أشخاص أعضاء في منظمة ثورية، تطلق على نفسها اسم الاشتراكي الثوري، وهي ثورية مثل منظمات كثيرة انتشرت بين القرنين التاسع عشر والعشرين، حيث كان هناك آلاف من هذه المنظمات في العالم باتجاهاتٍ متباينة، لكنها تشترك في فكرة العنف والاغتيال والقتل والتفجير وسيلة للتغيير السياسي. ولفت نظري أن الكاتب في صحيفة “الحياة”، إبراهيم العريس، أطلق في مقالة له عن المسرحية، لفظ الإرهابية على تلك المنظمة، فتذكّرت أن إطلاق نعت إرهاب وإرهابي على التغيير العنيف الذي يكون فيه اغتيال أو تفجير، أو عنف بشكل عام، مستحدث، ففي ذلك الوقت كان العنف والاغتيالات والتفجيرات الطرق الأساسية للتغيير السياسي، فلم تكن نظريات التغيير السلمي، أو التغيير اللاعنيف قد ظهرت بعد، فأفكار ومبادئ مثل الديمقراطية أو التداول السلمي للسلطة أو حقوق الإنسان مفاهيم أخذت وقتا كبيرا في التطور، حتى تمت صياغتها في مبادئ عالمية بعد الحرب العالمية الثانية، وإن كان أنصار العنف والصراعات الصفرية هم الغالبية حتى اليوم في عالمنا العربي.
تحكي المسرحية عن تكليف هؤلاء الثلاثة بعملية اغتيال الدوق الأكبر، بعد أن فشلت الأحزاب السياسية العقلانية في إحداث أي تغيير. للثلاثة مبرّرات منطقية وتبدو أخلاقية، فالأول يرغب في قتل الدوق والانضمام إلى الثورة، لأنه يحب الحياة والحريّة، وهذا بداية الطريق. وهناك من يرغب في قتل الدوق لأن ذلك هو العدالة من وجهة نظره، أما الأخير فيرغب في قتل الدوق لأن عليه التضحية من أجل القضية.
ويتوجه الثلاثة في اليوم المنتظر إلى الطريق لانتظار عربة الدوق، ويكلف أحدهم بإلقاء القنابل عند مرور العربة، بينما يكلف الآخران بحمايته، لكن المكلف بإلقاء القنبلة يتوقف عن تنفيذ المهمة، فقد لمح أطفالا في صحبة الدوق عند مرور العربة، فهو إن كان يبحث عن العدالة والحريّة، ويرى في قتل الدوق السبيل إلى ذلك، لا يجد مبرّرا لقتل الأطفال مهما حدث. وتحدث مشكلة بعد ذلك بينه وبين زملائه الذين يعنفونه بسبب عدم إلقائه القنبلة، ويدور حوار ساخن أشبه بالشجار بين الرفاق عن الضرورات والمحظورات والأهداف الكبرى والأخلاقيات.
لماذا لم تلق القنبلة؟
– كان هناك أطفال.
وما المشكلة؟ كل شيء يهون في سبيل الثورة وإقامة العدل. سيكونون مثل الشهداء في سبيل نجاح الثورة وإقامة العدل.
– لا، لا هدف سامياً يبيح قتل أطفال أبرياء.
لا يا رفيق، أنت جبان وخائن للثورة، وتستخدم الأطفال ذريعة، لا شيء يبرّر خيانتك الثورة.
“الثورة الناجحة مجيدة بالتأكيد أما الفاشلة فمحاولة انقلابية إرهابية قام بها مجرمون خونة”

وبعد يومين، يعيد بطل المسرحية الكرّة مرة أخرى، وينجح في قتل الدوق الكبير عندما مر بسيارته بدون أطفال، ولكن يتم القبض على منفذ العملية، الإرهابي في نظر السلطة، والبطل في نظر الرفاق، فتتصاعد الأحداث الدرامية، وتقرّر أرملة الدوق الكبير زيارته في السجن، بعدما علمت بنبله وإعراضه عن إلقاء القنبلة عندما كان هناك أطفال، وتعرض عليه أن تساعده في إنقاذ حياته، لكنه يرفض عرضها بشجاعة، فهو يؤمن بما فعله، ويرى أنه يجب أن يواجه مصيره ويدفع حياته ثمنا لمعتقداته، وإلا تحوّل من ثائر إلى قاتل.
وفي اليوم التالي، تنشر الشرطة خبر زيارة الدوقة له في السجن، إيحاء بأنه أعلن ندمه وتوبته عما فعل، كما يحدث في أيامنا عندما تنشر وسائل الإعلام القريبة من الأجهزة الأمنية أخبارًا لتشكيك الناس في بعض الثوار أو لزرع الفتن بينهم. وتنجح خطة الشرطة، ويتشكك بعض الرفاق نتيجة تلك الأخبار، وينتظر بعضهم إعدامه، فَلَو أُعدم فعلا فهو لم يتراجع عن موقفه، كما أن إعدامه يعني أمن الرفاق الشخصي، فهو لن يشي بهم، ويتم إعدامه، ليكون مثلا وأيقونة للنقاء الثوري. ويتحمس آخرون للقيام بالمثل، قتْل البورجوازيين الخونة من أجل الثورة وإقامة العدالة والمساواة، ولا يهابون الموت، فعندما يموتون دفاعا عن أفكارهم سيكونون في المكان والمكانة نفسيهما مع الرفيق الشجاع (إيفان) الذي ضرب المثل في الشجاعة والتضحية والإيمان بالمبدأ ودفع الثمن راضيا.
لم أقرأ نص المسرحية (لم أعثر عليها)، ولكن ما قرأته من ملخصات وتحليلات عنها يثير فعلا قضايا كثيرة تثار في عصرنا هذا في منطقتنا، خصوصا بعدما قرأت مقالات أو روايات في السجن عن فكرة النضال، فللعنف السياسي جذور في مجتمعاتنا، فقد كان العنف والاغتيالات أمرا معتادا في أثناء الحركة الوطنية المصرية وفي فترة مقاومة الاحتلال البريطاني. وعندما تقرأ في التاريخ المصري الحديث، تجد أن جماعة الإخوان المسلمين ليست الوحيدة التي استخدمت العنف ضد خصومها، فمثلا كانت هناك حركة الاغتيالات لكبار الضباط الإنكليز في أثناء ثورة 1919 في مصر، وإن كان معظمه موجّهًا ضد الاحتلال الأجنبي، وفي سياق النضال الوطني. ولكن في وقتها لم يكن يتم تعريف من يغتال ضابطا إنكليزيا أو مسؤولا مصريا مواليا للإنكليز بأنه مناضل، كما يتم ذكره في كتب التاريخ الآن، بل كانت وسائل الإعلام المصرية والبريطانية وقتها تصفهم بأنهم إرهابيون، وأنشأ الإنكليز ما يسمى “القسم المخصوص” أو “القلم السياسي” في البوليس المصري، وهو القسم الذي يسمى الآن “جهاز الأمن الوطني”، وكان فيه ضباط مصريون، يدربهم على أعلى مستوى ضباط إنكليز بغرض تصفية الحركة الوطنية وتعقُّب المناضلين، “الإرهابيين” كما كان يتم وصفهم.
وكانت هناك اغتيالات في الثلاثينيات والأربعينيات، تقوم بها تنظيمات شيوعية أو حزب مصر الفتاة، ضد مسؤولين مصريين ووزراء موالين ومساندين للاحتلال البريطاني. وقد شارك الرئيس المصري، أنور السادات، بشكل ما في عملية اغتيال وزير مصري موالٍ للإنكليز. وكانت موجة التحرّر الوطني في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات في الوطن العربي ممتلئة بالانقلابات العسكرية والاغتيالات والعنف، بل وما قبل ذلك. ونادرا ما تجد إماما أو أميرا أو خليفة لم يتم اغتياله أو خلعه بالعنف أو الانقلاب عليه في التاريخ العربي والإسلامي. وكثيرا ما ستجد من استعان بالمستعمر الأجنبي ضد خصومه من أبناء جلدته أو ديانته، فليترك العربية الأولى التي أنتجت الدول العربية الحالية التي نشأت بعد الحرب العالمية الأولى كانت نتيجة اتفاقات مشبوهة بين أمراء عرب والاستعمارين البريطاني والفرنسي. وكانت موجات القومية العربية في الخمسينيات والستينيات حليفة للسوفييت، إنما الأغرب حاليا من يزعمون مناصرتهم العروبة والحلم العربي، وهم ينهلون من الأموال الإيرانية الفارسية السخية، يزعمون أنهم قوميون عرب ويدافعون عن العروبة، وهم يقاتلون في المليشيات الإيرانية التي تعمل من أجل عودة أمجاد الإمبراطورية الفارسية.
مجرد أفكار أثارتها المقالات عن مسرحية ألبير كامو “البررة”، وتساؤلات بشأن متى يتم 

“متى يكون العنف السياسي مشروعا ومرحبا به، ويتم اعتباره خطوةً في طريق التحرّر أو العدالة أو التطهير؟”

اعتبار الشخص مناضلا، ومتى يتم اعتباره إرهابيا. وما الأخلاقيات والضرورات والمحظورات في أثناء الثورات وعمليات التغيير السياسي. ومتى يكون العنف السياسي مشروعا ومرحبا به، ويتم اعتباره خطوةً في طريق التحرّر أو العدالة أو التطهير. ومتى يتم اعتباره جريمة نكراء تستوجب اللعن ليلا ونهارا، ومتى يعتبر العنف الثوري ضروريا ومتى يعتبر حماقة. ولماذا من حق السلطة وأنصارها أن يقتلوا ويحبسوا كيفما يشاؤون، بينما ليس من حق المواطن أن يدافع عن نفسه؟
إنها دائما رواية المنتصر، فهو من يكتب التاريخ، فالثورة الناجحة مجيدة بالتأكيد، أما الفاشلة فمحاولة انقلابية إرهابية، قام بها مجرمون خونة. ومن في السلطة يعتبر دائما كل المحاولات الإصلاحية تهديدا إرهابيا، مهما كانت سلمية نبيلة. وقتْل المواطنين الأبرياء وحبْسهم وظلمهم ثمن هيّن لدى من في السلطة، في سبيل حماية الدولة من وجهة نظرهم، أو في سبيل حماية النظام، وهناك أيضا آلاف المجموعات والحركات والتنظيمات على مدار التاريخ، ارتكبت كوارث أو جرائم غير أخلاقية، لكنها تغاضت عن ذلك، لأن الضرورات تبيح المحظورات، ولأن سقوط الأبرياء لا يعني شيئا أمام الهدف الأسمى الذي قد يكون نصرة الدين، أو نصرة العروبة أو التحرّر الوطني، أو نشر العدالة أو إقامة الاشتراكية أو الديمقراطية أو.. أو.. .
تضحيات رجال السلطة هي ما يذكرها التاريخ، أما قتلى الثوار (الإرهابيين) وضحاياهم ففي مزبلة التاريخ، إلى أن يتغيّر الوضع، ويتبدل الحال، وتصبح تضحيات الثوار ودماء الشهداء هي التي قادت إلى الحرية، أما سيرة من كانوا حكاما فهي التي أصبحت في مزبلة التاريخ.