للعراقيين في إطلاق النكات وترويجها تراث عريض، وقد عرفوا الصحافة الهزلية منذ بدايات القرن المنصرم، كما عرفوا الكاريكاتير الساخر، ودخلت التاريخ صحف “حبزبوز” و”قرندل” و”قزموز” و”كناس الشوارع” و”الفلقة” التي ساهمت في نقد الظواهر الشاذة آنذاك.

أكثر ما لفت انتباهه، في رحلة حنينٍ قام بها إلى العراق، أن العراقيين، بعد هذه السنين العجاف التي مرت بهم، أخذوا يدارون أوجاعهم باجتراح النكتة وتداولها. ولاحظ أن زائر العراق، هذه الأيام، يندر أن يغشى مجلسًا من دون أن يسمع عديدا من نكاتٍ، بعضها بريء وبعضها جارح وبعضها لا سبيل لترويجه لوقوعه في طائلة القانون. ويفلسف صديقي العائد للتو ذلك، وهو بالمناسبة مختص بعلم الاجتماع، أن المرء، في أيما مجتمع، قد يقف عارياً في مواجهة صعوبات الحياة وتناقضاتها، ولذلك نراه يعمد إلى ممارسة المرح والدعابة وإطلاق النكتة عاملا مساعدا على النظر إلى الحقيقة بعين صافية. ولا يبدو في مسلكه هذا في تناقضٍ مع جدية أفعاله ومواقفه، بل على العكس، يعمل على التخفيف من توتراته، والتقليل من قلقه، ويشكل مصدرا لتهدئة مزاجه. وهكذا يحتاج المرء لجعل النكتة والدعابة في قلب استراتيجيته لبناء حياته، والتعامل معها عنصرا في الاندماج الاجتماعي، وميزة مطلوبة في تكوين هويته.
يضيف أن النكتة تعلمنا كيف نضحك، لأنها تستحث عافيتنا العاطفية والنفسية والاجتماعية، وهي لا تتصالح مع المحافظة على مواقف الاحتراس والرسميات والجمود والنمطية التي تضفي مزيدا من التوتر على مسلكنا، فيما يمثل الركون إلى المرح خصلة إيجابية، تجعلنا نحس بالارتياح، وتمنحنا قدرا من الهدوء والرضا عن أنفسنا.
والعراقيون، كغيرهم من شعوب الأرض عندما تحاصرهم الصدمات، تُحدث عندهم توترا متزايدا، لكنها في الوقت نفسه تدفعهم إلى مداراة الوضع بالنكتة والدعابة، والمسلك المرح. وينطبق هذا على كل ميادين الحياة والمجتمع، وبضمنها الميدان السياسي الذي يبدو ممتلئا أكثر من غيره بالصدمات الحادة، وبعضها قاتلٌ ومميت. وفي مواجهة ذلك، تصبح ممارسة التنكيت حاجةً إنسانية تخلق حماسا على مواصلة العيش، وتخفف من الأعباء اليومية، وتعمّق الشعور بالاطمئنان والأمان.
وللعراقيين في إطلاق النكات وترويجها تراث عريض، وقد عرفوا الصحافة الهزلية منذ بدايات القرن المنصرم، كما عرفوا الكاريكاتير الساخر، ودخلت التاريخ صحف “حبزبوز” و”قرندل” و”قزموز” و”كناس الشوارع” و”الفلقة” التي ساهمت في نقد الظواهر الشاذة آنذاك، والسخرية من المسؤولين ورجال الحكم الذين كانوا يستقبلون النقد بروحٍ صافية، وثقة عالية بالنفس، حتى غاب هذا الهامش الديمقراطي مع سيطرة العسكرتاريا والأحزاب الشمولية على الحكم، وبلغ الأمر حد أن يُعدم طبيبٌ مشهور لإطلاقه نكتةً في مجلس خاص، اعتبرت ماسّةً بالرجل الأول في الدولة، كما أعدم قائد عسكري واعتقلت مذيعة معروفة بتهمة مماثلة.
ويبدو اليوم أن مواقع التواصل، فيسبوك وتويتر وغيرهما، وفّرت مجالا مفتوحاً لإطلاق النكات وترويجها، ووجد المواطن العادي فرصته في التعويض عن المرارات التي يعيشها في حياته اليومية بالنكتة والدعابة والمرح البريء.
ولم ينس صديقي، وهو عائد أن يحمل في جعبته وفرةً من نكاتٍ يتداولها الشارع العراقي هذه الأيام، تروي واحدة منها أن وزيرا عراقيا زار إحدى العواصم للتعاقد على مشاريع معينة، وخطر له أن يسأل صنوه كيف يمكنه تدبير سرقاته من المال العام، قال الوزير المضيف: هل ترى الجسر الذي نطل عليه؟ هذا الجسر كلف مليارا، لكنني أضفت نصف مليار إلى العقد ليحول إلى حسابي! وفي السنة التالية زار الوزير الأجنبي بغداد، وخطر له أن يسأل مضيفه العراقي نفس سؤاله، أجابه: هل ترى ذلك الجسر؟، رد الضيف ليس ثمّة جسر على مدى النظر.. هنا قال العراقي: نعم، لا يوجد جسر، لكنه كلفنا ملياري دولار دخلا في جيبي.
وفي نكتة ثانية، وجه شحاذٌ الرئيسَ الأميركي جورج بوش في زيارته بغداد بعيد الاحتلال، وشكا له حاله. وعندما عاد إلى واشنطن، بعث مليون دولار إلى الرئيس العراقي تبرعاً منه إلى الشحاذ. وعندما وصل المبلغ وضع الرئيس نصفه في جيبه، واتصل برئيس الوزراء ليقول له إن الرئيس بوش بعث نصف مليون دولار إلى الشحاذ، وكان أن احتفظ رئيس الوزراء بنصف المبلغ لنفسه قبل أن يتصل بوزير الداخلية ليبلغه أن بوش أرسل ربع مليون دولار إلى الشحاذ، واحتفظ الوزير، هو الآخر، بنصف المبلغ، وبعث الباقي إلى أمين بغداد ليسلمه بنفسه إلى الشحاذ، وكان أن أرسل الأمين في طلب الشحاذ، وقال له إن الرئيس بوش يسلم عليك ويقول لك: الله يعطيك العافية.
وكم ذا في العراق من المضحكات.