نشر فى : الخميس 28 يناير 2016 - 10:25 م | آخر تحديث : الخميس 28 يناير 2016 - 10:25 م

امتنعت محطة سى إن إن CNN وموقع هافينجتون بوست Huffington Post عن نشر معلومات تتعلق بصفة تبادل السجناء بين طهران وواشنطن حصلا عليها قبل شهور من إتمام الاتفاق بين الدولتين والذى تم تنفيذه يوم الأحد 16 يناير الحالى. وتم التفاوض بنجاح بين طهران وواشنطن سرا، وأفرج عن خمسة مواطنين أمريكيين، ظلوا محبوسين لسنوات، اتهم بعضهم بالتجسس، وأحدهم بالتبشير للمسيحية. فى المقابل أفرجت واشنطن عن سبعة من مزدوجى الجنسية (إيرانيين ــ أمريكيين) سجنوا لانتهاكهم قوانين العقوبات التى كانت مفروضة على إيران.


وأكد موقع هافينجتون بوست أنه حصل على معلومات بخصوص الصفقة من مسئول رفيع بوزارة الخارجية الأمريكية كان يعتقد أن المفاوضات فشلت منذ أربعة أشهر، إلا أنهم لم ينشروا ما وصلهم من أخبار بعدما تأكدوا أن المفاوضات جارية ولم تفشل أو تتوقف. وأشارت الهافينجتون بوست إلى أن الإدارة الأمريكية لم تطلب منهم عدم النشر وأن القرار اتخذ بعيدا عن أى تدخل حكومى.
من ناحيتها ذكرت سى إن إن أنها علمت خلال الخريف الماضى بالمفاوضات السرية حول تبادل السجناء، إلا أنها قررت عدم النشر خوفا من احتمال فشل المفاوضات حال خروج أخبارها للعلن. وأشارت المحطة كذلك أن الإدارة الأمريكية طلبت منهم عدم النشر عندما علمت بوصول الأخبار إليهم.
لم تكن المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة التى تتعارض فيها الغريزة الصحفية فى النشر والحصول على السبق، وبين وازع أخلاقى يتمثل فى احتمال الإضرار بأشخاص أبرياء أو وضع حياتهم فى خطر، أو فى احتمال تعريض الأمن القومى للخطر.
***
لا تحظر القوانين الأمريكية النشر الصحفى فى أى مجال، وحظر التعديل الأول فى الدستور الأمريكى على الكونجرس والمجالس التشريعية فى الولايات المصادقة على أى قانون يقلص حرية التعبير أو حرية الصحافة، إلا أن المحكمة الدستورية العليا أقرت أن هناك حالتين لا تحميهما النصوص الدستورية أولهما يتعلق بنشر تفاصيل حول تحركات الجيوش فى زمن الحرب، وثانيهما يفرض قيودا على الكلام البذىء أو الخارج، والذى من شأنه أن يثير على نحو متوقع أعمال عنف أو ارتكاب أفعال إجرامية. وتخضع جميع وسائل الإعلام الأمريكية لنفس القوانين التى تطبق على الجميع ــ أفرادا ومؤسسات ــ ولا يتم استثناؤها من تطبيق القانون بشكل عام، ولا تستثنى الصحافة من حيث أى واجبات أو عقوبات معينة. فعلى سبيل المثال، تطبق على الصحفيين القوانين التى تحرم اعتراض المحادثات الهاتفية دون إذن بنفس القدر الذى تطبق به على أى شخص أو أى جهة أخرى.
***
قد يمثل نشر بعض الأخبار أو تسريب المعلومات للرأى العام ما يصب فى صالح الأمن القومى، وفى صالح المجتمع كذلك، وهناك بالطبع حالات يضر فيها النشر بالأمن القومى. وتشهد الولايات المتحدة سجالات دائمة حول هذه المعضلة التى ازدادت سخونتها بعد وقوع حوادث 11 سبتمبر 2001، وبدء الحرب الأمريكية على الإرهاب. وخلال السنوات التى أعقبت 11 سبتمبر شهدنا حالات مختلفة نشرت فيها وسائل إعلام أمريكية قصصا وأخبارا رأى فيها البعض ما يضر بأمن أمريكا، ورآها آخرون انتصارا للشفافية ولحق المواطنين فى معرفة ما تقوم به حكومتهم. ومن أمثلة هذه الحالات الكشف عن فضيحة سجن أبو غريب، وطرق معاملة المعتقلين فيه. وكُشف أيضا عن المعاملة غير الإنسانية التى يلقاها معتقلو جوانتانامو، وطرق تعذيبهم وأساليب التحقيق معهم. وكُشف كذلك عن تجاوزات إدارة الرئيس جورج بوش فى التنصت على المواطنين الأمريكيين كوسيلة من وسائل مكافحة الإرهاب، ونُشرت معلومات عن مراقبة الأجهزة الأمريكية لحسابات مصرفية لأشخاص ومؤسسات فى الداخل والخارج. ومن أهم القصص كذلك تلك التى نُشر فيها تفاصيل عمليات السجون السرية لوكالة المخابرات المركزية CIA فى دول أوروبية وشرق أوسطية كى يتم تعذيبهم والحصول منهم على معلومات استخباراتية.
***
وكان لكشف صحيفة نيويورك تايمز عن فضيحة التجسس والتنصت على مواطنين أمريكيين، وكشف برامج سرية حكومية تستخدم لمراقبة التحركات المالية المصرفية للمشتبه فى قيامهم بإعمال إرهابية، بدون سند قانونى ــ أثر فعال فى عداء إدارة بوش لها. ووجه نائب الرئيس آنذاك ديك تشينى انتقادات لنيويورك تايمز ووصفها بعدم الأمانة الصحفية وعدم الالتزام بالوطنية. ثم صرح عقب نشر التقرير بأن البعض فى الصحافة ونيويورك تايمز تحديدا تسببوا فى جعل عملية الدفاع ضد هجمات إرهابية أخرى أكثر صعوبة، وذلك بإصرارهم على نشر معلومات مفصلة حول برامج حيوية خاصة بالأمن القومى الأمريكى.
وصب تشينى غضبه على مهنة الصحافة ومهامها ليشير أيضا إلى أن الأمر المثير للقلق البالغ هو أن من يقومون بنشر هذه التقارير قد يتم تكريمهم فيما بعد بمنحهم جائزة بوليتزر Pulitzer للتميز الصحفى وهو ما يعد أمرا مهينا. وطالب تشينى بإجراء تحقيقات واستجوابات لنيويورك تايمز ــ محرريها ومسئولى التحرير فيها وناشريها ــ وقال «نحن فى حالة حرب لذا فإن قيام نيويورك تايمز بالإفصاح عن برامج وأساليب سرية يعد خيانة!».
أدركت الجماعة الصحفية الأمريكية محاولة إدارة جورج بوش تحجيم دورها عن طريق المطالبة بالتضحية ببعض الحرية «لأننا فى زمن أسامة بن لادن». وتدرك الجماعة الصحفية اليوم أن هناك من يطالبها بنفس الشىء تحت ذريعة «أننا فى زمن داعش». إلا أن ما يؤمن به الإعلام الأمريكى فى مجمله يرتكز على مقولة بنجامين فرانكلين ــ وهو أحد الآباء المؤسسين للدولة الأمريكية ــ المتمثلة فى أن «هؤلاء الذين يضحون بالحرية مقابل الأمن (الاستقرار) لا يستحقونهما».
***
ويثير ما سبق العديد من الأسئلة منها هل من حق الصحافة أن تنشر ما تشاء من معلومات مهما كانت حساسية وخطورة هذه المعلومات وتأثيرها على الأمن القومى تحت شعار الحرية؟ ما هى المعايير والخطوط الحمراء التى يجب ألا تتجاوزها الصحافة فى نشر المعلومات التى تضر بالأمن القومى الأمريكى؟ وإذا كانت هناك معايير فمن الذى يضعها؟ وهل من يضعها يخضع لسلطة النواب المنتخبين بحرية؟ والأهم هو من سيطبقها؟ كيف يمكن تحقيق التوازن بين حرية النشر والصحافة وبين الحفاظ على الأمن القومى؟ هل يجوز تجريم من ينشر معلومات تضر بأمن الوطن؟ أسئلة تثار وتتجدد باستمرار فى أمريكا، فهل لنا من يوم نبحثها ونتجادل بشأنها فى مصر.