نشر فى : الخميس 28 يناير 2016 - 10:25 م | آخر تحديث : الخميس 28 يناير 2016 - 10:25 م

يبدو أن هيلارى كلينتون فى مأزق لم يكن فى الحسبان، فالفجوة بينها وبين منافسها فى الحزب الديمقراطى برنى ساندرز تقلصت إلى حد جعل الكثيرين يرجحون احتمالات فوز الأخير بترشيح الحزب، وهى مرحلة حاسمة مازال المرشحون فى الحزبين يتنافسون حولها، ويقوم كل حزب فى مؤتمره الحزبى الذى ينعقد كل أربع سنوات باختيار مرشحه الذى سوف يخوض الانتخابات العامة، وسوف ينعقد المؤتمران لكل من الحزب الجمهورى والديمقراطى فى الأسبوعين الثالث والرابع من شهر يوليو على التوالى.


والسؤال الآن هو ما الذى أدى إلى صعود ساندرز بهذه القوة، الذى أصبح يسبب معها ــ وبحق ــ مشكلة لحملة كلينتون الانتخابية، والسبب الظاهر هو ما حققه ساندرز من نجاحات مبدئية وشعبية فى ولايتى أيوا ونيوهامشر، حيث تمثل هاتان الولايتان نقطة الانطلاق للسباق الذى يسعى المرشحون من جرائه للحصول على ترشيح الحزب، وعلى عكس المتوقع وصفت السياسية المحنكة أن الفجوة السابقة بينهما كانت مصطنعة ورحبت بأنها لا تمانع هذه المنافسة التى تجعل السباق أكثر إثارة وموضوعية، فإن التنافس يجرى على أسمى وأقوى وظيفة فى العالم، وأنها على يقين بأن الأصلح سوف يفوز.
بيد أن الأمر الذى يثير علامات الاستفهام هو مسارعة بيل كلينتون لنجدة زوجته، حيث هرع فى السفر لكل من ولايتى أيوا ونيوهامشر لتعبئة الناخبين تأييدا لزوجته، مرددا تارة أن هيلارى كلينتون هى أفضل المرشحين على الإطلاق فى الظروف الصعبة التى تمر بها الولايات المتحدة، وتارة أخرى أن هيلارى كلينتون هى الوحيدة التى يمكنها أن تضمن الاستمرارية والاستقرار فى السياسة الأمريكية بعد الرئيس أوباما.
ويبدو أن القائمين على حملة هيلارى كلينتون يسعون بقوة إلى تحجيم تصريحات الزوج، خاصة فى ضوء ما بدا منه من أخطاء كان لها تأثير سلبى على حملة هيلارى كلينتون فى انتخابات 2008 ضد أوباما وإفقادها وقتذاك كثيرا من الأصوات، واعتبرت فى ذلك الوقت تعليقات كلينتون بأنها عنصرية، فى إشارة إلى أن القس جيسى جاكسون فاز مرتين بولاية كارولينا الجنوبية فى عامى 1984 و1988 على التوالى، ولم يساعده ذلك قط فى الفوز بترشيح الحزب الديمقراطى محاولا الإقلال من شأن فوز أوباما فى هذه الولاية، وهذا يعنى من ناحية أخرى، تعاظم احتمالات ساندرز للحصول على أصوات السود الأفارقة، بما يضمن نجاحه فى ولاية كارولينا الجنوبية أيضا، وبالتالى نجاحه فى ثلاث ولايات يجرى فيها الاقتراع فى شهر فبراير المقبل ويعطى له فرصة أكبر فى الحصول على تأييد حزبه.
***
وتخشى حملة كلينتون أن يتصرف كلينتون مرة أخرى كزوج وليس كسياسى محنك أو رئيس سابق، حيث إن تدخله دفاعا عن زوجته فى كل مناسبة يسىء لها فى الواقع أكثر من إفادتها. كما تخشى الحملة أن تطغى مرة أخرى شخصية كلينتون وما يتمتع به من كاريزما على هيلارى. ومن هذا المنطلق قد لا يبشر دخول بيل كلينتون حلبة الانتخابات هذه المرة بالخير لزوجته، ولذا يسعى القائمون على حملة كلينتون لتقليص دوره، ومادامت زوجته فى المقدمة، اكتفى كلينتون بالبقاء خلف الكواليس، غير أن الأمر تغير اليوم فى غير صالح هيلارى.
وواضح أن هيلارى كلينتون نفسها تجنبت التغنى بإنجازات زوجها أثناء رئاسته، اللهم إلا تصريحها الضمنى أنها سوف تستعين به فى القضايا الاقتصادية، وبمثل هذا التصريح قامت هيلارى كلينتون بفضح نفسها واعترفت على الملأ بقصورها وعدم خبرتها فى الموضوعات الاقتصادية، وجاء ذلك على صينية من ذهب لمنافسها برنى ساندرز، الذى تمثل درايته الاقتصادية مصدر قوة حملته الانتخابية، وانهال برنى ساندرز على سياسات كلينتون بالنقد معلنا أنها كانت سياسات معيبة وغير متوازنة تعمل لصالح أصحاب المليارات وسلطة الشركات متجاهلة الحاجات الأساسية للشعب الأمريكى والطبقة المتوسطة، التى قام ساندرز بتتويج نفسه حاميا لها ومدافعا أول عن مصالحها، فالحديث عن القضايا الاقتصادية هو أفضل ما يقوم به ساندرز، مؤكدا أن الشعب الأمريكى فى حاجة إلى شخص يستطيع الوقوف فى وجه أصحاب المليارات وسلطة الشركات وليس إعادة تدوير سياسات كلينتون.
وكثيرا ما تُنتقد أيضا سياسات بيل كلينتون على أساس أنه أول الرؤساء، بعد نهاية الحرب الباردة، وهو الذى سمح بالتدخل المنفرد للولايات المتحدة تحت زعم حماية حقوق الإنسان ومقوضا سلطة الأمم المتحدة، ولم يتوانَ عندئذ فى إعلان عقيدته حول السياسة الخارجية متمثلة فى حق الولايات المتحدة فى التدخل فى أى مكان فى العالم لأسباب إنسانية، متحملة مسئوليتها كقوة عظمى، وضاربا عرض الحائط بمبدأ عدم التدخل فى الشئون الداخلية للدول.
وتجدر الإشارة فى هذا السياق إلى تدخل نائب رئيس الولايات المتحدة جو بايدن لصالح برنى ساندرز وسياسته الاقتصادية التى تتمثل فى سد فجوة الأجور ومحاربة الفوارق الشاسعة بين الأغنياء والفقراء وخلق فرص عمل وميزانية متوازنة وإصلاح مؤسسة وول ستريت ووضع قواعد أكثر صرامة للسياسات المالية فى الولايات المتحدة التى يمتد تأثيرها على العالم، وهى كلها موضوعات وقضايا تغيب عن حملة كلينتون، ويركز ساندرز منذ اليوم الأول على اختفاء الطبقة الوسطى والتفاوت فى الثروات ومستويات المعيشة فى الولايات المتحدة التى لا تجد مثيلا لها فى الاقتصادات المتقدمة. ويرى بايدن أن هيلارى كلينتون غير قادرة على التغلب على ساندرز فى هذا المجال الذى قد يعطيه أيضا دفعة قوية مستقبلا على منافسيه فى الحزب الجمهورى.
***
وبينما كانت هيلارى كلينتون دعما لزوجها عند خوضه انتخابات الرئاسة فى عام 1992، الأمر الذى حدا به حينذاك إلى التصريح أن فوزه سيعنى للشعب الأمريكى الحصول على رئيسين بثمن واحد فى البيت الأبيض. فإن حملة هيلارى كلينتون الانتخابية تحاول بكل قوة أن تُسكت بيل كلينتون وأن يترك زوجته تخوض معركتها باستقلالية، وإن صح القول، فإنه الزوج لا مكان له من الإعراب فى حملة هيلارى كلينتون، خاصة أنه يمثل حلقة ضعيفة فى الحملة وعُرضة لانتقادات شرسة من كل من ترامب المرشح الجمهورى وساندرز المنافس الديمقراطى، وفى حين يركز ترامب على فضائح بيل كلينتون الجنسية أثناء فترة رئاسته، فإن ساندرز صرح بأن هذه الحملة تخص الموضوعات وليست فضائح حياة بيل كلينتون، مركزا على الانتقاد الموضوعى لسياسات بيل كلينتون مما يكسبه مصداقية.
وباقترابنا من مرحلة التصويت الأولية داخل الحزبين يبدو أن ساندرز يستحوذ على قدر كبير من ثقة الناخبين خارج مؤسسة الحزب، فما يقرب من ستين فى المائة من الناخبين لا يثقون فى عائلة كلينتون بصفة عامة ويرون أنهم انتهازيون، فقد حقق بيل كلينتون وحده قرابة مائة مليون دولار خلال العشر سنوات الماضية من جراء إلقاء المحاضرات حيث يتقاضى عن كل محاضرة مبلغا وقدره سبعمائة وخمسون ألف دولار، أما هيلارى كلينتون فهى ترضى بالقليل، حيث يصل أجرها ما بين مائتى ومائتى وخمسين ألف دولار عن المحاضرة، وعموما فبدء تداول مثل هذه المعلومات لا يبشر بالخير وينال من مصداقية كلينتون فى مواجهة ساندرز، المعروف بأنه أكثر المرشحين نزاهة على مستوى المرشحين الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء.
***
وعلى الرغم من ضآلة التغطية الإعلامية التى يحظى بها برنى ساندرز مقارنة بغريمته، فإنه إذا فاز بالفعل على هيلارى فى ولايتى أيوا ونيوهامشر، تليهما ولاية كارولينا الجنوبية حيث أغلبية الناخبين من أصول أفريقية، فإنه سيعمل على قلب موازين الحزب رأسا على عقب، مما قد يدفع إلى تحول المؤسسة إلى تأييده أملا فى أن يحقق لها الفوز فى الانتخابات للمرة الثالثة.
ويرجح الكثيرون أن فوز هيلارى يتمثل فى ضرورة تمسكها بالمؤسسة فى مواجهة ساندرز، وهو ما يعنى فى النهاية الدفاع عن سياسات أوباما والدفاع عن الوضع الراهن وبقاء كل شىء على ما هو عليه، غير أن مثل هذا الموقف، من ناحية أخرى، قد يعمل فى غير صالحها ويظهرها للناخب على أساس أنها تفتقد الاستقلالية فى الرأى والمواقف، وتقف وراء أوباما من ناحية وزوجها بيل كلينتون من ناحية أخرى.
مدير مركز الأمير الوليد بن طلال للدراسات الأمريكية والبحوث بالجامعة الأمريكية