من ذا الذي ينسى تلك التي قلتُ عنها:

الأربعاءُ بلا فَجْرٍ برابعةٍ

الأربعاءُ رِداءُ الحزنِ كاسيها

كلُّ المبادئ في الأوحالِ قد غرقَتْ

في لُجّةِ الغدر قد ذابتْ معانيها!

قد حاصرَتْها طواغيتُ الرّدَى وَعَتَتْ

كأنما عسكرُ الصهيونِ سابيها!

شلاّلُ حقدٍ تدفّقَ من بنادِقهم

وتُرْعَةُ الدمِ قد دارتْ سواقيها

ساقوا الحضارةَ للأخدود فاحترقَتْ

ومالكٌ خازنُ النيرانِ ذاريها!

رابعةٌ حيثما الأنفاسُ قد زَفَرتْ

سمعتَ صوتَ الفَنَا قَنْصًا يُناديها!

نارٌ.. دماءٌ.. أساطيرٌ مُهجّنَةٌ

وكلَّ عُهْرٍ لدى الشيطانِ غازيها!

أيها القراء الأعزاء لن أطيل النفس في مقدمة أو كلام يعلمه الجميع، فما قام أحدٌ بالبحث عن رابعة، إلا وظهرت أمامه الصفحات تلو الصفحات التي تتحدث عن حجم المأساة التي وقعت يوم الأربعاء الرابع عشر من أغسطس (آب) 2013، ولكنني قدر الإمكان سأحاول أن ألخص رسالتي حتى أجعلها تركز فقط على اللحظات الأخيرة التي شهدت على قرار الانسحاب من الميدان، تلك اللحظات التي ينبغي على كل الفصائل الإسلامية في العالم كله أن تقف أمامها طويلًا جدًا جدًا، إنها اللحظات التي أثبتت انعدام الرؤية وأكدتْ على غياب العقلية العبقرية التي تستطيع التعامل مع الأحداث العِظام، إنها اللحظات التي أظهرَتْ ضَعْف وهشاشة قيادات التيار الإسلامي، إنها اللحظات التي كشفت الفارق الرهيب ما بين التنظير والواقع العملي.

بدايةً كنتُ أحد المعتصمين في ميدان رابعة منذ اليوم الأول، شاركت في أحداث الحرس الجمهوري الأولى، ثم أحداث المنصة، أما يوم الفض فقد كنتُ خارج الميدان، ولكنني لما علمت بأمر الفض توجهت سريعًا إلى محيط رابعة العدوية وتحديدًا شارع عباس العقاد، حاولت الدخول إلى الميدان أنا وغيري، ولكن ما استطعنا، ظلّت تلك المحاولات لأكثر من مرة حتى دخلت بالفعل بعد صلاة الظهروذلك عن طريق أحد الممرات المؤدية لشارع الطيران، وحقيقةً صدمني المشهد الذي رأيت، وما توقعت يومًا أن أراه، لقد كانت حربًا بالفعل، دخان الإطارات المشتعلة يتصاعد من كل اتجاه، لعله يخفف من رائحة الغاز التي تَعَبَّأ بها الميدان، مياه مختلطة بدماء القتلى والجرحى، خيام محترقة، صوت الرصاص يأتيك من كل مكان، وفي الغالب لاترى من يطلقونه إضافة إلى مشاهد الجثث والأكفان المنتشرة في كثير من الأمكنة، وأقسم أن الرصاص قد مرَّ بجوار الرأس أكثر من مرة، ولكن قدر الله النجاة، وهو أعلم بالنوايا، فما دخلنا الميدان، إلا للوقوف على ما يحدث فقط لا المشاركة كما كان من قبل.

بعد أذان العصر بقليل كنت واقفا في الجهة المقابلة لبنك مصر الكائن بشارع الطيران، تحدث أحدهم من فوق المنصة، ومن صوته أعتقد أنه دكتور جمال عبد الستار، وكان آخر من تكلم، أخذ يتحدث عن الثبات والمقاومة استمر ذلك لدقائق، ثم لما انتهى وضع الميكروفون أمام الأجهزة ليستمع الميدان كله إلى تكبيرات العيد، في هذه اللحظات فكرت في أن أتحرك لمكان آخر، وبالفعل قادتني قدماي إلى شارع النصر، وقفت في الجهة المقابلة لمبنى الشئون المالية، بمرور الدقائق وجدت العدد قد تزايد لما يقرب من عشرة أشخاص تقريبًا، فجأة توقف صوت المنصة واختفى صوت التكبيرات، بعدها جاء واحد وقال لقد قامت القوات بتحطيم المنصة وإشعال النار فيها ثم دخلوا إلى المستشفى.

وبدايةً من هذه اللحظة لا أذكر أن أحدا فينا قد تكلم بكلمة بعدها، لقد صار رد الفعل واتخاذ القرار بناءا على تعبيرات الوجوه، نعم، فلم يتبقى سوى أقل من ساعتين حتى يسدل الليل ستره، وساعتها لا يعلم أحد ماقد يكون، نظرنا خلفنا، وإذْ بممر يؤدي إلى أحد الشوارع المؤدية إلى منطقة السوق ومسجد عبير الإسلام، فتحركنا نحو ذلك الاتجاه وبعد سيرنا عدة أمتار تفاجأنا بوابل من الرصاص لا نرى مصدره رجعنا على الفور إلى نفس المكان الذي كنا فيه، لحظات عصيبة، ما كان أحدنا يستطيع أن يعبر بكلمة، فصوت الرصاص لايتوقف، وفجأة ظهر أمامنا بعض أفراد القوات المسلحة، يقفون أعلى أحد الأبنية الفرعية التابع لمبنى الشئون المالية التابع لوزارة الدفاع، وهو مبنىً مكون من طابقين أوثلاثة، لما انتبهنا إليهم، أخذ بعضنا يشيرون إليهم بالاستسلام وطلب الانسحاب، التفتوا إلينا وعلى الفور أشار أحدهم إلينا بيديه أن سيروا باتجاه منصة النُّصب التذكاري، ووالله لا أذكر أنه قد تحرك منا واحد، بل ثبتنا في مكاننا ولم نتحرك خطوة، غير أن هناك بعض الناس كانوا قد وقفوا ليشاهدوا ذلك الحوار الصامت، فلما رأوا إشارة ذلك الضابط انطلق منهم من انطلق بشارع النصر تجاه المنصة فأُطلِق الرصاص عليهم فعادوا مرة أخرى، فتكررت الإشارات أننا نريد الانسحاب، فأشار بيديه تجاه الشمال، ووالله لا أذكر أن واحدًا منا تحرك خطوة في هذه المرة أيضا، وذلك من توفيق الله – عز وجل – إذْ كيف نطلب النجاة ولا نتحرك طاعة لمن يدلنا على طريقها! نعم، هو توفيق الله وحده، فلو تحركنا في الأولى أو الثانية لفقدنا الثقة، وربما تبعثرنا وسرنا جميعا نحو المجهول الذي يحمله الظلام، وربما أبادوا الجميع، وما حدث هو أن أناسًا ممن يقفون أيضا بوسط شارع النصر، قد بادروا بالسعي نحو الشارع الواقع ما بين الحديقة الفرعونية ومبنى الشئون المالية فأُطلِقَ عليهم الرصاص، وربما تم القبض على بعضهم، فتكررت الإشارة مرة أخرى أنْ نريد الانسحاب، ولكن الرصاص يقابل من يذهب باتجاه إشارتكم، وهنا وجدنا ذلك الضابط يجري مكالمة هاتفية ربما استغرقت دقيقتين أو ثلاث، بعدما انتهى انتبهنا إليه وانتبه إلينا، فأشار بيديه تجاه منصة النصب التذكاري، ثم أشار بإحدى يديه تجاه الشمال وبالأخرى أنْ لا، ففهمنا أنه يقصد عدم الدخول من شارع يوسف عباس، ثم أشار بيديه مرة أخرى تجاه المنصة، ثم أشار تجاه الشمال، ثم بديه أخذ يحثنا على المضي في هذا الشارع، ففهمنا أننا سنمضي باتجاه المنصة نترك شارع يوسف عباس ثم نمضي حتى ندخل الشارع التالي شمالا، وهو شارع عبد العزيز الشناوي، وهنا تحركت المجموعة، التي أسأل الله أن يغفر لهم ويتقبل منهم وأن يجازيَهم خير الجزاء، فلقد كانوا سببًا في إنقاذ عشرات وربما مئات الأرواح من القتل، تحركت تلك المجموعة في الاتجاه الذي تم تحديده لها فتحرك كل أو جُل من كان في الميدان خلف هؤلاء، وكانوا ألوفًا، وأذكر أن ذلك كان في الخامسة وأربعين دقيقة تقريبًا.

هكذا كان الأمر، دونما استشارة أحد من المسئولين عن إدارة الميدان، لهذا أقول والله، إن هذا الحدث العظيم كان كفيًلا أن يجعل كل الفصائل الإسلامية تعيد النظر في كل سياساتها ومناهجها، إذْ إن الهَمَّ الأول لكل قائد في أي معركة هو الحفاظ على الأرواح، والأمر كان واضحًا في ذلك اليوم منذ الصباح، أقصد يوم الفض، ووالله لقد كان بإمكانهم إنقاذ الآلاف ممن قُتِلوا وسُجِنوا وشردوا، ولكن لما أداروها بتلك الطريقة، حُقَّ أن تكون هذه هي النتيجة.

وأختم بتوجيه نصيحة لتلك الفصائل التي أؤكد على أن تمكين الأمة لن يكون إلا بعد تفكيكها، أقول لهم، أفتحوا ملفاتكم وقضاياكم، ناقشوا تجاربكم، شخِّصوا أدواءكم وحددوا دواءكم، فلستم ممن شهدوا بدرًا.