عند نقاط معينة قد يبدو الأمر محض مراجعة سريعة ناقدة لواقع غابت عنه الكثير من التفاصيل الجوهرية التي تحمل بين طياتها الكثير والكثير من الركائز الحياتية التي بإثارتها قد تغير، وقد لا تفعل، لكن يبقى الأصل أننا يجب أن نحاول لعل شيئًا ما يتغير.

ذلك العنصر الحيوي الذي تراه في يومنا غائب في كثير من المحافل، غائب حيثما يجب أن يكون، النساء.

غائبات هن عن الكثير من مواقعهن، حضورهن في أخرى ينقصه المراجعة والتطوير.

أين النساء الآن من الكتابة، التربية، العلوم، السياسة، الأدب، النقد والدين؟

هناك بالفعل بعضهن في الساحة لكن هل هن كافيات؟ هل يمثلن السواد الأعظم الباقي من النساء ويحققن فرض الكفاية المجتمعي؟ هل اقتحمن كل المجالات المتاحة؟ هل خلقن مجالاتهن الخاصة؟

لا أظن!

لماذا هذا يسترعي انتباهي؟ لأنهن الكائن المحوري الذي تقوم به المجتمعات ونهضتهن نهضة كافة الأفراد من صغار وكبار ولأن النساء هن أدري بشئونهن احتياجاتهن شغفهن، لذا فممارستهن لتلك الجوانب تسد ثغور الحاجة وتخلق آفاق أوسع لهن ولغيرهن.

وماذا عن البداية؟ حقوق المرأة ضائعة ومستغلة؟ نعم.

لكن؛ منْ أوهم النساء أن لهن حقوق فقط يبحثن عنها ظلمهن وظلم المجتمع، حقوق النساء في مجتمعنا ينقصها التعريف المحدد، وبما أن ذلك أيضا يصعب التعويل عليه، إذن فخلق كل امرأة – بداية من مطلعها – لهويتها الخاصة التي بها تحدد ما تريد وما تهدف إليه قد يمنحها تصورا ما قريب لتلك الحقوق ويؤهلها للحصول عليها إن لم تحصل عليه بالطريقة التلقائية.

وهذا يمنحها قدرًا أكبر من النضج تستطيع به معرفة ما عليها من واجبات تخلق بها بيئة متوازنة وصحية لها وللمجتمع.

لكن، وبالقياس على مجتمعنا كثير من فئاته – نساء ورجال – يرون في المرأة زوايا معينة مهملين كونها كائن كامل له ما له وعليه ما عليه.

تلك الفرق التي تستهدف زاوية الجسد أو أن المرأة وعاء للجنس إما فقط أو أنه الجزء الأهم وما عاداه أقل أهمية – على اختلاف أيديولوجياتها وتوجهها، إلا أنها تمتلك نفس النظرة فقط المرأة جسد!

إما أن تصبح الدعوة تحررًا مبالغًا فيه في العام تزين القبيح منه برتوش الحرية الشخصية أو غيرها، بينما هي في كل لحظة تدفعها نحو هدف الجسد.

أو الأخرى التي تبالغ في الانغلاق بدعوى الورع والتقوى، بوصفٍ ساذج بكونها مغلف حلوى، أو ملكة، لكنها طبعًا بلا مُلك. وكلا الفريقين يخدم أهدافه الشخصية لنشر فكره مستخدمين المرأة كأداة مفعول بها.

ثم من لا يراها بالصورة السابق ذكرها قد يرى أنها كائن ناقص الأهلية، أو ذو وجود ثانوي يمكن الاستغناء عنه أو الاستبدال به ما يكافئه، ففي النهاية كلهن سواء في الدونية، فهن مواطنين من الدرجة الثانية.

لذا تظهر حتمية خلق كيانها الخاص مدعوم برؤى واضحة يخرجها من ضيق الزوايا إلى أفق الأهداف الواسعة والطموحات ويمنحها القدرة لتكون فاعلًا لا مفعولًا به.

لقد تم دور المرأة التفاعلي، ولكن أمامه الكثير للتميز والإضافة، محصورات هن في مجالات بعينها والنسبة المبدعة والمتميزة فيها قليلة!

السبب – في المجمل – عوامل ترجع لها كنقص المعرفة والطموح ونقص الرؤية واختلال ميزان الأولويات وتكريس الحياة للبيت فقط، وخارجية بسبب نقص الفرص والإمكانات والدعم والسلبيات، ثم إذا حاولن قالوا هي ليست وظائف النساء ولا تناسبها.

المرأة مكانها المطبخ! هذا المجال ليس للنساء؟ لا أفهم لماذا لا يتركوهن يحاولن ويطورن، لماذا تحتكرون المساحات وتختصرون المرأة في البيت.

لماذا لا تعيدون هيكلة أفكاركم ومعتقداتكم وأساطير ما أنزل الله بها من سلطان، لماذا لا تعينوهن وتقدموا لهن الدعم ما لم يأتين بمنكر سماوي أو مجتمعي صحيح. المرأة بحضورها الصحيح تصنع الكثير والكثير.

لكن عن ماذا هي غائبة؟ بعض منه ما يلي:

إذا ذكرنا الشأن الداخلي تصبح الأم مقصدنا الأبرز.

دور المرأة كأم غابت عنه الكثير من التفاصيل الأولويات التوجيه التربية والقواعد.

مشروع أم، هو هدف عظيم تقوم عليه أمم وتنهار به أخرى.

ذلك المشروع الملحمي الذي يبدأ من نعومة الأظفار، ليس بوصف وظيفي أوحد، وهو أن مصيرك لبيت زوجك وعيالك، بل بكونه أحد أرقى العلاقات والمشاعر القائمة على تصنيع إنسان كامل من قبل أن يكون له وجود مادي يُذكر.

فيه يتم إنشاء كائن سوي مُدرك لوجوده، وأنه ليس هنا ليكمل وجود أحد، بل هو إنسان قائم بذاته وبأفكاره قادر على ترتيب أولوياته، الاختيار السليم وتطوير ذاته ومجتمعه.

ثم من قرر بأن من نضج بيولوجيًا قادر على إنشاء أسرة وإنجاب الأطفال بلا أية مسئولية أو النظر خطوة واحدة للأمام؟!

هل هذه الأسرة الناشئة مؤهلة؟هل الأم قادرة على القيام بدورها الصحيح؟ إن كان النضج البيولوجي هو الغاية، فالطريقة ستكون التسمين لا التربية أو التكوين. والنتيجة، أظنها واضحة بالانحدار المجتمعي الشامل الذي نراه.

نقطة نظام!

في ظل تخلي كافة المؤسسات النظامية عن دورها، يتعين علينا لإعادة انشاء مجتمع سوي بأن نبدأ من الداخل لننقذ ما يمكن إنقاذه؛ إذ إن مشروع الأعوام الممتدة للتربية لابد له أم مؤهلة علميًا وفكريًا نفسيًا واجتماعيًا.

أم قادرة على القراءة وتطوير ذاتها بدايةً وأبنائها تاليًا، المشكلة أنه في ظل التغييرات السريعة المؤثرة لا توجد معايير ثابتة للحكم، لكن خطوط عريضة وتفاصيل متجددة.

لكن أحد أهم المفاهيم الملتبسة لدينا هو مفهوم نجاح الأم في مهمتها هو أنها أدخلت مدارس وكليات كذا واحتل وظيفة كذا، أو بكونه فتي مطيعًا أو ابنتها وصلت لكذا أو أو.

ثم من الداخل خواء وعلاقات قائمة علي أطراف يسيرون الأيام حتى الرحيل بصورة، لكن لا يعيشونها، الخلاصة خلق إنسان سوي داخليًا وخارجيًا قادرًا على نفع ذاته وغيره.

أما في الشأن الخارجي وقرار عمل المرأة، فإنه لا صحيح مطلق ولا خطأ مطلق، وأن القرارات الفردية للفرد الحق الكامل فيها بدون إملاءات خارجية، وإنما هي نصائح نعين بها بعضنا البعض.

سواء قررت المرأة العمل والخروج للحياة أو البقاء في المنزل عاملة كانت أو ربة منزل فالخيار في النهاية لها، ولكن بنظرة سريعة سنتفق سويًا على أن الاستقلال ماديًا وفكريًا في زماننا هذا ضرورة تكفل لها سلامة واستقلالية قراراتها والقدرة علي مواجهة الحياة والمجتمع. أما في خروجها فلدي فيه قول يشمل الجنسين، وإن كان للمرأة فيه عندي همسة رجاء وأمل.

الغاية؟!

ماذا أفعل؟ ولماذا؟ وأية رؤية أو هدف سأجنيه من هذا العمل؟

ستتعدد الغايات، لكن أيهن الأنبل؟ أيهن تخدم غاية وجود الإنسان في الحياة؟ أيهن تفيد ولا تضر؟ أيهن ستنهض بك وتضيف لك ولغيرك؟

لا ضير مطلقًا إن كان الهدف ماديًا أو اجتماعيًا أو تحقيق الذات أو غيره، المهم أن تصل.

أما همستي لهن: فقه الأولويات سيمنحكن السير بخطي ثابتة نحو الهدف.

الدراسة على علتها في بلادنا مهمة، فهم النفس وتطوير الذات والرؤى الواضحة والاستقلال ساعيات نحو خدمة أنفسكن ومساعدة غيركن وتحقيق فرض الكفاية في كافة الأمور من الإبرة للصاروخ، وهذا ما أقصده حرفيًا.