علمت منذ البداية أن الله موجود!

منذ أن كنت صغيرًا وأنا أتساءل من أنا؟ لم تمنعني سنوات عمري الصغيرة أن أترك العنان لخيالي، ولم تمنع نفسي التي ثارت على سجانيها، ما دهاني؟ من أنا؟

أنا الإنسان، أي إنسان! هل أنا الشخصية التي ارتسمت معالمها من حولها؟ تلك الشخصية التي لا أجد من يفهمها، الشخصية التي تكمن في أعماق ذاتي. أم أنا تلك الكيمياء التي تدور بداخلي بتناسق رهيب كنغمات موسيقية لا تتقاطع ولا تتداخل؟ ربما كنت ذلك التشريح اللعين الذي يحتويني ويعطيني مساحتي؟ تلك الجثة التي شرحها علماء البيولوجيا أو لعلي كنت الشعور الذي درسه علماء النفس؟ أم أنا الفسيولوجيا في أبهى صورها؟ أم أنا تلك الجمهرة من الخلايا والأنسجة؟ قد نتفق جميعًا على تعريف بللورة الكلوريد ومكوناتها من ذرات قد نرسم رسمًا بيانيًا لها، لكننا لم نتفق على تعريف الإنسان تعريف ذواتنا. حينها آويت إلى ركن في الغرفة، ونظرت الي السماء فوجدت الإجابة  لكل شيء. عرفت أني روح الله في الأرض؟ فلا الملحدون يزعزعون الله الذي استجاب لي، وعلماء الكلام مازالوا يجدون في إلهًا لا يعنيني.

يقول الدكتور اليكسيس كاريل

الإنسان كتلة من الأشباح تدور بداخلها حقيقة مجهولة

الإنسان عابد بالفطرة.

يقول هيجل

إن الإنسان هو الوحيد الذي يمكن أن يكون له دين، وإن الحيوانات تفتقر إلى الدين بقدر ما تفتقر إلى القانون والأخلاق

لأن التدين عنصر أساسي في تكوين الإنسان، والحس الديني، وأنه يكمن في أعماق كل قلب بشري، بل هو يدخل في صميم ماهية الإنسان، مثله في ذلك مثل العقل سواء بسواء.

ولسنا هنا نناقش وجود الدين أو عدمه، إنما لنتحدث أن الدين والعقل ما هما إلا أشياء متكاملة، ليست أشياء متضادة أو متضاربة.

الدين والعقل

المسيحية والعقل

إن موقف المسيحية واضح من تلك الحقيقة، فإنهم قد أغفلوا العقل تمامًا، وأصبحوا يهاجمون كل ما يتعلق بالعقل، حتي ولو ثبت صحته، واعتبار أي إنسان يريد المناقشة أو التساؤل في أي شيء يتعلق بالعقيدة أو الأسرار التي سميت أسرار العقيدة من قبل البابا مهرطقًا وكافرًا، ولنا بذلك مثال بسيط حين قامت الكنيسة بحرق جسد جون ويكلز لأنه فقط قام بترجمة الكتاب المقدس، وبذلك قد أغفلوا حقيقة هامة، ألا وهي حقيقة أن الإنسان لديه شهوة السؤال والتفكير والبحث والتعلم مثلها كشهوة الجنس والأكل لا يستطيع كائن من كان أن يمنعها أو يحجر عليه.

الإسلام والعقل

إن العقل البشري دائمًا بحاجة إلى الاطلاع على المنطق، إلى معادلات يستطيع فهمها، وإن الإسلام قد دعا العقل دعوة صريحة إلى التفكير والتدبر ليصل في أمر العقيدة إلى اليقين رافضًا إغفال الإنسان عن الحقائق المهمة أو تقليدًا للتراث، بل إنه أراد منه ذلك أشد الطلب، وإن كان تعريف الإسلام كما عرفه الدكتور أبو الأعلي المودودي: الانقياد والامتثال لأمر الأمر ونهيه بلا اعتراض، والأدلة على ذلك لا حصر لها.

يقول الله تعالى: بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم. ويقول أيضًا: وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا! أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون.

وجاء في وصف عباد الرحمن حيث قال تعالى: والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صمًا وعميانًا.

أي لم يوصدوا عقولهم عن التفكير الذي يؤدي إلى معرفة عقولهم. لم يحفظوا ما سمعوا، لم يرددوا فقط، تلك هي الفضيلة العليا، وهي أحكام العقل في كل شيء حتى في دين الله!

أفلا يتدبرون القرآن؟ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا. البقرة 170.

أفلا يتدبرون القرآن؟ أم على قلوب أقفالها، وإن هذه الآية كانت الأصل في إسلام أحد المستشرقين الألمان؛ لما فيها من تحد واضح، وإعلاء من شأن الإنسان. إن الله يطلب من الإنسان في تلك الآية طلب واضح، ألا وهو إحكام العقل طلبه للتدبر لا للإذعان والخضوع فقط.

وقال تعالى: أم خلقوا من غير شيء؟ أم هم الخالقون. الطور35.

ولنجد أن أول أمر نزل للرسول صلى الله عليه وسلم هو: اقرأ، أي أن الله أول طلب نزل من السماء إلى الأرض هو الأمر بالبحث والتعلم وإشغال العقل والأمثلة تطول وتطول لا حصر لها.

ولقد شهد العقل البشري في ظل الإسلام نبوغًا ونشاطًا في كافة المجالات، ولعل الأندلس أكبر شاهد على ذلك.

فالإسلام أراد من الإنسان أن يبحث ويتعلم، لا أن يأخذ تلك الآيات، كالخراف يصمها دون أن يعرف معناها، أراد إشغال العقل في كل شيء.

يقول الدكتور روجيه جارودي

إن الإسلام لا يعني الطاعة أو الخضوع، لكنه استجابة لنداء الله استجابة حرة مسئولة نشطة وإن الإيمان ما هو إلا عقل بلا حدود

فالدين لم يكن ولن يكون ضد العقل أو لاغيًا له في أي وقت وتحت أي ظرف ولعل أبرز ما قاله الدكتور كريسي موريسون وهو احد الملاحدة السابقين: إن العلم يدعو إلى الإيمان، وإن العقل لم يضاد الدين، بل إن العقل والدين يكملان كل منهم الآخر، وإن الأمثلة كثيرة ولا نستطيع حصرها؛ لأنها تحتاج إلى مجلدات ضخمة، ولعل أبسط شيء يمكن أن ننهي به هو ذلك القول: اقرأ (الفلق الاية 1).