1c692a5d-1c4d-4a8d-8129-f929f40c155d.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

معن البياري

لفت عبد الحسين عبد الرضا أنظار زكي طليمات في 1961 فاهتم به، فكانت الرحلة مع نحو 40 عملاً مسرحياً، وعشرة مسلسلات تلفزيونية، وسبعة أفلام تلفزيونية، عدا عن أوبريتات وأغنيات غير قليلة، فضلاً عن مشاركةٍ في ذلك الفيلم السينمائي المبكر.

ليس أمراً قليل الدلالة أن أول فرقةٍ مسرحيةٍ محترفةٍ قامت في الكويت، وذلك في العام 1961، ضمّت نساءً بين أفرادها، ما دلّ مبكّراً على أن هذا البلد كان مؤهلاً، من بين دول جواره الخليجية، ليتوفر على ما صار جائزاً تسميتها، من دون تحرّز أو تحوّط، أدوات إنتاجٍ فنيٍّ ناهضٍ وناشط، تقترب من الشروط التي تحتاجها الصناعة الفنية، في المسرح والتلفزيون، طبعاً، من دون السينما التي يحسن التذكير في صددها هنا بأن فيلماً كويتياً تم إنتاجه في 1965. … تأخذنا إلى هذا الأرشيف، أو على الأصح إلى هذا المقطع الحيوي في سيرورة الفن المسرحي والتلفزيوني العربي، وفاة الممثل الكويتي عبد الحسين عبد الرضا (78 عاماً)، أول من أمس. وذلك لأن سيرة الراحل، وهو النجم الفني الأشهر في الخليج، حاضرةٌ في كل محطات المسيرة الناهضة للمسرح والدراما التلفزيونية، والأغنية أيضاً، في الكويت، منذ انتسابه إلى تلك الفرقة الأولى، والتي أشرف على تكوينها الرائد المصري زكي طليمات الذي لفت الشاب عبد الحسين عبد الرضا أنظارَه، فاهتم به، فكانت الرحلة التي اشتملت على نحو 40 عملاً مسرحياً، وعشرة مسلسلات تلفزيونية، وسبعة أفلام تلفزيونية، عدا عن أوبريتات وأغنيات غير قليلة، فضلاً عن مشاركةٍ في ذلك الفيلم السينمائي المبكر. 

ليست هذه السطور لتقييم المستوى الفني لكل هذا المنتوج المتنوّع، وإنما للتأكيد على دور أساسيٍّ أدّاه عبد الحسين عبد الرضا، مع رفاقه خالد النفيسي وسعد الفرج وسعاد العبدالله وغانم الصالح، والكاتب عبد الأمير التركي، في إعلاء قيمة الفن، المسرح خصوصاً، في الحياة العامة في الكويت، وفي منطقة الخليج عموماً. وأيضاً في إقامة علاقةٍ ودودةٍ وحميمةٍ بين الناس وفنون الفرجة، في بلدٍ بدأ للتو في بناء مؤسّساته ومرافقه بهمّة، بعد مغادرة الاعتماد على البحر في تأمين موارد الرزق، والذهاب إلى الإفادة من النفط. وهنا، من المهم عدم إغفال مقادير الجرأة، العالية نوعاً ما، في النقد والانتقاد السياسيّين في البلاد، ما أجاز الحديث عن مسرحٍ كوميدي سياسي في الكويت، توازى، إلى حد ما، مع مسرح النقد الاجتماعي، أو أعقبه ربما، الأمر الذي ما كان له أن يتيّسر لولا مقادير طيبة من مساحات حرية التعبير في هذا البلد، في سنواتٍ مضت، قبل أن تضيق أخيراً، وقبل أن يصبح الحديث عالي الصوت، ويجهر به فنانو الكويت، الرواد ومن لحقهم، عن “موت” المسرح الجاد، والسياسي منه، في بلدهم، لصالح المسرح التجاري والتهريجي الضعيف والركيك، ما يعود، كما يقولون، إلى ضعف الدعم الحكومي، وتربّص الرقابة، في موازاة رقابة التيار الديني الذي يزداد نفوذاً.
كأن سيرة عبد الحسين عبد الرضا كانت مرآةً لهذا المسار الفني في الكويت، فمع قلة مشاركاته في أعمالٍ مسرحية، وتلفزيونيةٍ إلى حد ما، في السنوات الأخيرة، بسبب أوضاعه الصحية، وهو الذي طالما غالب أمراضاً وأجرى عملياتٍ حسّاسة، كان الفن المسرحي الجاد في الكويت ينحسر، واستجدّت أجواء نوستالجيا إلى سنوات الحيوية والتألق والصلة القوية بين الناس والمسرح، في استعاداتٍ تتذكّر ذلك النشاط ونجومه، ومنهم عبد الرضا. وإذا كان الأمر يختلف، ربما، بشأن الإنتاج الدرامي الذي يعرف قسطاً من التعافي، فإنه لا يغيب عن البال أن المسلسل الكويتي “ساق البامبو” (رمضان 2016) لم يُؤذَن بتصويره في الكويت، وأظنه لم يُعرض على فضائياتها، بسبب اعتبار موضوعه حسّاساً على الصعيد الاجتماعي المحلي، فانتقل التصوير إلى دبي. وإذا كانت أعمالٌ غير قليلة، مسرحيةٌ وتلفزيونيةٌ، للراحل عبد الحسين عبد الرضا، وهو الذي كتب بعضها، قد تعرّضت لتدخلات الرقابة، وسبّبت له مشكلاتٍ تحدثت عنها الصحافة، فإن ذاك الحال يبقى أنضج وأكثر تقدّمية من الراهن. ذاك الحال الذي كان من أطواره الأهم صعود شعبية الفنان الراحل مع شهرة مسلسله، صاحب الموقع اللافت في ذاكرة الدراما الخليجية “درب الزلق” (مع سعد الفرج وخالد النفيسي، 1977).
رحم الله عبد الحسين عبد الرضا، كان من صناع الابتسامة والبهجة بين أهل الخليج الذين أجمعوا على محبته وتقديره. وفي البال أنه، قبل عامين، دعاهم إلى أن يكونوا على قلبٍ واحد.

إعجاب تحميل...