مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

آلاء السهلي (فلسطين)

يقول الفيلسوف الهندي، غوتاما بوذا: “لا تؤمن بكلام معلمك، لأنك فقط تحترم هذا المعلم، لا تؤمن بأي فكرة إلا بعد الفحص والتحليل”، فهل تعمل المدارس العربية بهذا المبدأ؟ وهل يعطى أصلا لطلابها حرية الإيمان بالفكرة؟

ريثما ينطلق الطفل من منزله للقاء المجتمع، تكون المدرسة أول الحاضرين لاستقباله. ومن هنا، يأخذ هذا الصرح أخطر دور في صقل شخصية الفرد العربي، ومن هنا أيضاً ستبدأ معالم الديكتاتوريات العربية بالتكوّن.
صحيح أنّ الطالب في المدرسة يتلقى مهارات علمية لا يمكن نكرانها. لكن من المجحف أن نغض الطرف عن أن المدرسة سلاح ذو حدين، فإما أن تؤسس لمجتمع قوي قادر على التعبيرعن رأيه بلا خشية يتقبّل الرأي المخالف، ويقود نحو دولة ديمقراطية أو لمجمتع خنوع يُقاد لأن يكون مجموعة ببغاوات يجرّم فيها من يخرج عن السرب.
يقول الفيلسوف الهندي، غوتاما بوذا: “لا تؤمن بكلام معلمك، لأنك فقط تحترم هذا المعلم، لا تؤمن بأي فكرة إلا بعد الفحص والتحليل”، فهل تعمل المدارس العربية بهذا المبدأ؟ وهل يعطى أصلا لطلابها حرية الإيمان بالفكرة؟
وفق ما نرى، هذا منطق لا وجود له في عقلية معظم المعلمين في عالمنا العربي، وإن حاولنا الدخول إلى لب المدارس، بعيدا عن خوض نقاشات حول الكوارث المتضَمنة في مناهجها التعليمية، سنجد أولا شرخاً كبيراً في العلاقة بين الطلاب والمعلمين يشبه إلى حد ما علاقة الرئيس العربي بشعبه من حيث غياب ثقافة الحوار، فاستخفاف المدرسين بنظرية بوذا يؤدي في نهاية المطاف إلى تفضيل رأي المعلم على رأي الطالب وإجبار الجميع على تبنيه من دون اعتراض وربما تقديسه، وقد يصل الأمر في كثير من الأحيان إلى اعتبار الطفل الرافض لرأي معلمه مشاغبا أو مخلا بالأدب، وهذا أول الأسلحة الموّجهة في قمع حرية التعبير للفرد العربي.
ثمّة رأي يقول بأنّ كثرة الاختلافات الفردية هي من سمات الدول المتقدمة، سمة تخشاها على الأرجح مجتمعاتنا يتيمة التوجه، ففي وقتٍ لا يدرب فيه الطفل من الصغر على تقبّل كل زملائه في الصف، على اختلاف هواياتهم وميولهم العلمية وجنسياتهم، وحتى دياناتهم، تبدأ المشكلة!، مثلا نرى الأساتذة يمدحون ويصفقون للطالب الراغب في دراسة الطب أو الهندسة، فيما لا يقابل الطامح بتعلم الجغرافيا أو التاريخ بالحفاوة نفسها. وكثيرا ما تُواجه هوايات بعض الطلاب، كغناء البوب ورقص الهيب هوب، بالامتعاض، وقد تُستهجن طموحات أحدهم في صنع أنهار من الشوكولا واختراع تلفزيون طائر ويُستخف بخيال صاحبها في تجاهل تام للحقيقة المجربة بأنّ كل إنسان مهيأ لأن يبرع فيما يحب. ومن هنا، يقلّد الطلاب أسلوب مدرسيهم، فينبذون الآخر ويمجدون الصورة النمطية للطالب، ويسلبون زميلهم من حيث لا يدرون الثقة بالنفس والقدرة على الاختيار والتميّز عن غيره.
مع الأيام، يكبرالصغار فيشكلون مجتمعاً عاجزاً عن تقبّل وجود أيديولوجيات ومرجعيات ومعتقدات متنوعة بين أفراده، وأفرادا خائفين أصلا من الجرأة على الاختلاف والاختيار والتعبير والتغيير.
صحيح أنّ جزءاً كبيراً من الفلاسفة والمفكرين أولى التعليم الذاتي أهمية توازي، وقد تفوق التعليم الأكاديمي، فذهب الكاتب الأميركي، لويس لامور، إلى تشبيه ما تلقّنه المدرسة للطفل برسومات في كتاب تلوين، وعليه أن يلون الفراغات بنفسه، لكني أرى أنّه من الصعب أن يحصد التعليم الذاتي ثمره في محيط مريض بمجمله ينقل عدواه إلى المدارس، وقد أكون عدت هنا من غير قصد لدائرة الصراع إياه: هل المدرسة تحدّد وجهة المجتمع أم العكس؟
أياً يكن، لم يعد يخفى وجود أشخاص استطاعوا أن يثوروا على واقعنا ويلوّنوا مملكتهم بحرية، وإن قوبلوا بالقمع والاستبداد من الحكومات، فالمؤكد أنّهم تركوا أثراً كبيراً، ربما يمهد لسقوط الديكتاتوريات العربية ولنشوء مجتمعات سليمة غدا أو بعد غد.

إعجاب تحميل...