الحالة المصرية هذه يمكن إسقاطها على السكك الحديدية وحوادثها الكثيرة. فالمصريون على متن قطار يقوده شخص فاقد للسيطرة والأهلية، ويسير بهم نحو هاوية أو للاصطدام مباشرة بقطار آخر، بينما يوهمهم بأنهم ماضون على “سكة السلامة”.

ليس حادث تصادم القطارين في مصر، يوم الجمعة الماضي، الأول من نوعه، ومؤكد أنه لن يكون الأخير، لكنه يكشف عن “السكة” التي تسير عليها مصر في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي. صحيح أن الحوادث لم تبدأ مع هذا العهد، فهي ممتدة عبر العهود السابقة، لكن الأمل في أن ثورة يناير والتغيير الذي جاءت به سينقل مصر من مسار “الدولة الفاشلة” إلى مسار آخر، أطيح مع الانقلاب العسكري في الثالث من يوليو/ تموز 2013. وهذا لا يعني أن الأمل كان في حكم “الإخوان المسلمين”، فهو لم يكن مثالياً أيضاً، لكنه كان من الممكن أن يكون بداية لمسار على سكة جديدة، ربما توصل إلى محطة السلامة.
إلا أن مصر تبدو بعيدة جداً عن “السلامة”، فالقطار انحرف تماماً عن السكة، وبات يسير في اتجاه معاكس لا تحمد عقباه، على مختلف الأصعدة، السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والإعلامية. من يتابع الأحوال المصرية اليوم يرَ إلى أي دركٍ وصلت إليه “أم الدنيا”، وأي مستقبل ينتظر أبناءها العالقين بين براثن الفقر والقبضة الديكتاتورية لنظام عبد الفتاح السيسي وشركائه في الداخل والخارج.
حادث القطارين، أو ربما من الأفضل القول جريمة القطارين، كاشفة للحال المصري، ومستوى الفشل الذي وصلت إليه الدولة، فمثل هذه الحوادث باتت نادرة في العالم، حتى في الدول التي تحتل المرتبة الدنيا في العالم الثالث، خصوصاً بوجود التقنيات الحديثة التي تلجأ إليها أكثر الدول فقراً للحد من الحوادث، غير أن الوضع في مصر مختلف، إذ لا يمر شهر من دون تسجيل سقوط قتلى على قضبان السكك الحديدية، ما يشير إلى حال الاستهتار بأرواح البشر التي تشكل العمود الفقري للأنظمة القمعية، وخصوصاً المصرية. استهتار يساوي البشر بحفنة من الجنيهات، فبعد كل حادثةٍ تعلن الحكومة عن تعويضات هزيلة لأهالي الضحايا، لا أحد يعلم إن كانوا استلموها أم لا. وهو ما سيحصل بعد حادثة أول من أمس. تعويضات لو صرفت على تحسين أوضاع السكك الحديدية ربما كانت ستعصم أرواح هؤلاء الذين سقطوا في الحوادث المتعددة.
وإذا وضعنا جريمة القطارين، وما تمثله من إهمال وفساد، جانباً، يمكن النظر إلى أجزاء أخرى من الرقعة المصرية، لنرى حال السكك الحديدية نفسه يتكرّر في أكثر من قطاع، بينما يجري بيع مشاريع الوهم يومياً للمصريين، وبالتعاون مع الإعلام الموالي الذي بات يحمل الشعب مسؤولية فشل الحكم، وهي حالٌ لم يسبق لأي نظام ديكتاتوري في العالم أن قام بها، فهي اختراع مصري بامتياز. والأنكى أن مصريين بسطاء كثيرين باتوا يصدّقون أنهم سبب المشكلة، وأنهم عبء على هذا النظام، وحجر عثرة في طريق الرخاء الذي يرسمه عبد الفتاح السيسي وشركاه، هذا على الأقل ما تحاول وسائل الإعلام الموالية رسمه، وهي تنقل أصواتا من الشارع تلقي بتبعات الأزمات على الشعب “الناكر للجميل”، والذي يقف في وجه مشاريع السيسي و”رؤيته” التطويرية، حتى لو حملت ملايين المصريين إلى تحت خط الفقر، فهذه بنظرهم “مرحلة وستمر”.
يمكن إسقاط الحالة المصرية هذه على السكك الحديدية وحوادثها الكثيرة، فالمصريون على متن قطار يقوده شخص فاقد للسيطرة والأهلية، ويسير بهم نحو هاويةٍ، أو للاصطدام مباشرة بقطار آخر، بينما يوهمهم بأنهم ماضون على “سكة السلامة”.