تجري هيكلة الشرق الأوسط وفق بيكار يشمل دور تركيا وموقعها، وهي الطرف الذي يملك طموحات إقليمية، إن لم تتصادم مع مشاريع الكبار، فإنها، ستشكل حافزا لأطرافٍ إقليمية أخرى، أو على الأقل من شأنها التاثير في التوازنات التي ترسيها هذه الأطراف.

ليست فصائل الثورة السورية، ولا مليشيات بشار الأسد، هي البنى الوحيدة التي يجري إعادة هيكلتها. هذه وتلك ليست سوى جزء من عمليةٍ تطاول المنطقة برمتها، وسواء باتفاق أو بدونه، بين أميركا وروسيا، فإن السير على سكة الهيكلة الشرق أوسطية بدأ، وصورة المشهد صارت واضحة لجميع اللاعبين.
وفي الطريق إلى الهيكلة، تشهد المنطقة منعطفاتٍ حادّة، ظهر بعضها على شكل محاولاتٍ لتحسين المواقع، مثلما حصل في السباق الميداني على مناطق النفوذ في سورية والعراق، أو حرب حزب الله في عرسال، وتمظهر بعض آخر على شكل صراعاتٍ تفجرت فجأة، الصراع الخليجي، وبعضها جرى على شكل إعادة فك وتركيب تحالفاتٍ شكلت أساساً للمشهد السياسي والعسكري في المنطقة سنوات طويلة، مثل حراك الأحزاب والشخصيات الشيعية العراقية، لأخذ مسافةٍ من إيران، وكذا إعلان أميركا إنهاء برامج دعمها المعارضة السورية.
لا يعني ذلك أن جغرافية إعادة الهيكلة تقف عند حدود سورية والعراق، بقدر ما أن إعادة ترتيب هذه البقعة سيعني قطع نصف المسافة لإتمام عملية الهيكلة، انطلاقاً من حقيقة أن جميع الأطراف الإقليمية وضعت، على مدار السنوات الأخيرة، الجزء الأكبر من استثماراتها العسكرية والسياسية في الصراعات الجارية في تلك المساحة، ومعها صار مستقبل الشرق الأوسط القديم مرهونا بدرجة كبيرة بالمآلات التي ستصير إليها سورية والعراق.
والملاحظة التي تستحق الإهتمام أن عملية إعادة الهيكلة لا تجري على شكل انقلاب أو تحوّل مفاجئ، بقدر ما تأخذ صيغة التحوّل البطيء، ولكن المثابر، كما أنها ليست نتيجة خطة أو مؤامرة جرى نسجها خارج الإقليم (سايكس بيكو)، بل جرى تدشين المداميك الأساسية للعملية داخل الإقليم، وشكّل عامل سوء إدارة الأزمات في المنطقة المادة الأساسية لصناعة أساسات الهيكلة، بعد أن تعقّدت السياقات، ووصلت إلى مرحلةٍ لم يعد ممكناً معها تصريف السياسة والعلاقات الإقليمية والدولية بسهولة.
من هنا، ما تطرحه القوى الدولية، روسيا وأميركا، وفرنسا التي تحاول الدخول على خط
“هيكلة الشرق الأوسط ليست عملية منفصلة عن التغيرات الجارية في النظام الدولي”

 الهيكلة بقوة، هو إيجاد بدائل للصيغ التي أوصلت الأزمات إلى وضعها الحالي من خلال تعديل الديناميكيات، وتوضيح مساراتها، بعد أن وصلت فوضى العبث الديمغرافي ومحاولات تطويع الجغرافية في مشاريع جيوسياسية إقليمية إلى ذروتها، واستنفذت طاقتها من دون أن ينتج عنها حتى ملامح طرف قادر على أخذ الأمور صوب استقرار المنتصر ورضوخ المهزوم، بل العكس، ظهر أن ذلك كله ليس سوى دينامية ولادة لحروبٍ لن تنتهي وتداعيات قادمة ومحتملة.
ويبدو أن الخروج من هذا الوضع ليس مضموناً من خلال سيطرة لاعب دولي كبير، ولا حتى تحالف من قوى كبرى، وإن كان هذا الأمر متعذّراً بدرجة كبيرة في ظل التحولات الجارية في البيئة الدولية، والتغيرات الحاصلة في بنية النظام الدولي، وتراتبية القوة فيه، بل الحل الأمثل هو إعادة هيكلة كاملة للقضايا واللاعبين وأدواتهم وأدوارهم.
وللدلالة على ذلك منحت روسيا أميركا مهمة تفريغ البعد الثوري لدى فصائل المعارضة السورية، وتحويلها إلى قوة ضبط محلية، بانتظار دمجها في إطار أوسع يضمها مع قوى منظومة الأسد، بعد أن كانت الولايات المتحدة ترغب في جعلها أداتها في مواجهة المشروع الإيراني، في حين تتكفل روسيا تقليص مساحات النفوذ الإيراني وتضييق الحركة عليه، من خلال مناطق خفض التوتر التي تنزع الذريعة الإيرانية بالدفاع عن حليفها في دمشق، بعد أن كانت إيران الذراع البري للحرب الروسية في سورية.
هذا التطور في الأداء والأهداف الروسية والأميركية فرضه الواقع العملاني ومتطلباته، وحقيقة صعوبة سير قوى دولية وراء أهداف قوى محلية أو إقليمية، انطلاقا من ثابتٍ في المجال 

“منحت روسيا أميركا مهمة تفريغ البعد الثوري لدى فصائل المعارضة السورية”

الدولي يكمن في حقيقة أن أهداف الدول الكبرى أكثر اتساعا وشمولا. كما أن هذه الإجراءات قد تبدو غير متناسبةٍ مع المصالح المباشرة لكل من واشنطن وموسكو، لكنها ضرورية ولازمة لإجراء عملية الهيكلة التي يبدو أنها تتحوّل إلى جزء صلب في المصلحة والإستراتيجية لكلا الطرفين.
نتيجة لذلك، تجري عملية الهيكلة وفق بيكار أوسع يشمل دور تركيا وموقعها، وهي الطرف المؤثر في المعادلة الشرق أوسطية، والذي يملك طموحات إقليمية، إن لم تتصادم مع مشاريع الكبار، فإنها، بنظر هؤلاء، ستشكل حافزا لأطرافٍ إقليمية أخرى، أو على الأقل من شأنها التاثير في التوازنات التي ترسيها هذه الأطراف. وكذلك إسرائيل التي يبدو أنها أكثر الأطراف إدراكاً للتغيرات الحاصلة في المنطقة. لذلك، تسعى إلى تحسين موقفها التفاوضي أكثر من محاولة فرض اشتراطات معينة.
وتأخذ الهيكلة في بقية أرجاء الإقليم مظاهر أخرى، تتمثل في تغيير الأدوار والمواقع والوظائف، كما هو حاصل في منح الأردن مساحة تأثيرية أكبر، يمكن القول إنه حصل عليها من خلال استثمار موارده الدبلوماسية والعسكرية بشكل صحيح، وقدرته على التقاط نقاط التوافق مع اللاعبين الكبار. وفي العراق، تجري الهيكلة عبر ترتيب البيت السياسي، بحيث يخرج من حالة إنتاج الخضوع لإيران إلى طور التفاعل الإقليمي الطبيعي.
هل تقف الهيكلة عند هذه الحدود؟ بالقطع لا، ذلك أنه لا يمكن، في الغالب، التحكم بنتائج التحولات، وغالبا ما تتحكم النتائج غير المقصودة في العملية. وبالتالي، احتمالات أن تتطور الهيكلة إلى إعادة صياعات جغرافية وسياسية أمر وارد، ويبقى في صلب الإحتمالات، خصوصا وأن ثمة أساسات صلبة لمثل هذه التغيرات، مثل إمكانية نشوء دولة كردية في العراق وسورية، وحتى تركيا، كذلك ثمّة احتمال أن تخرج الهيكلة عن هندستها المرسومة حتى اللحظة، في حال ساءت العلاقات بين واشنطن وموسكو أكثر، وهذا أيضاً احتمال قائم.
يبقى أن هيكلة الشرق الأوسط ليست عملية منفصلة عن التغيرات الجارية في النظام الدولي، بل هي نتاج موضوعي لهذا التغير والتفاعلات الحاصلة فيه، والمفترض أن صناع القرار في العالم العربي على درايةٍ بهذا الواقع، من خلال ما يملكونه من أدوات تقدير وتحليل ورصد، لكن الغريب أنهم قدّموا أنفسهم لاعبا ضعيفا، وقدّموا شعوبهم وجغرافيتهم ساحاتٍ للتفاوض الدولي، وإذا كانت هناك مؤامرة، فنحن من صنع مكائنها وجهزنا محرّكاتها، واستدعينا الخارج لتشغيلها.