يوجد بين أنصار النظام السوري عددٌ لا يستهان به من السياسيين والإعلاميين “الجلطات”. وكذلك الحال، بنسبة أقل، في صفوف المعارضة. فمثلاً، صادفتُ، في أحد اجتماعات المعارضة، رجلاً من هذا الطراز. إنه من النوع “النكرة”، ويتوهم، مع ذلك، أنه “معرفة”.. وأنه شبيهٌ بصخر الذي زعمتْ شقيقتُهُ الخنساء أن الهداة يَأْتَمُّون به، وأنه عَلَمٌ في رأسه نارُ، وأنه، كالمتنبي، ينام ويشخر بينما الرجالُ يتصايحون ويتضاربون بالبوكس بشأن مسألةٍ طرحها عليهم، قبل أن يأوي إلى فراشه. جلس، في إحدى الاستراحات بين اجتماعين، يخطب فينا متحدّثاً عن حزبٍ معارض أسَّسَهُ في سورية، حينما كان حافظ الأسد في أوج قوته، فأرَّقَ حزبُهُ آلَ الأسد، والمخلوف، والشاليش، والقيادتين القومية والقطرية، وعلي دوبا والأربعين حرامي. وحينما سألناه عن اسم الحزب، ذكر لنا اسماً لم نسمع به قط، وحتى المعارضون المخضرمون الذين كانوا معنا في تلك الجلسة تبادلوا نظراتٍ تدلّ على الحيرة، ولم تُسعفهم الذاكرة باسم الحزب الذي ذكره.
في أوائل السبعينات، حينما كنت أدرسُ في كلية العلوم الاقتصادية في جامعة حلب، كان لدينا كتابٌ مُقَرَّر يُدَرِّسُنا إياه المرحوم غسان الضاهر، يحتوي على المصطلحات التي جرى تداولُها في الاقتصاد السياسي العالمي عبر العصور، كالإمبريالية، والبلشفية، والتوتاليتارية، والأوليغارشية، والكولاك، والكارتل، والكونسورسيوم. وكنت أحفظها غيباً، ثم حفظتُ المصطلحات التي أطلقها الوزير أحمد إسكندر أحمد على حافظ الأسد، من قبيل القائد الملهم، والقائد الضرورة، وبطل التشرينين. والمصطلح الذي ابتكره كريم الشيباني مُوَحِّداً به بين مصطلحي البعثية والأسدية.. ولكنني، مع ذلك، لم أكن لأفهم المصطلحات التي أشهرها في وجهنا ذلكم المعارضُ ذو الأطوار الغريبة..
وبعد حوالي ستة أشهر، وبينما أنا في منفاي في مدينة الريحانية التركية، إذ جاء لزيارتي مجموعةٌ من الرجال والصبايا المثقفين الناشطين في مجال الثورة، وبرفقتهم الرجل “الجلطة” نفسُه. وبمجرد ما جلس على الأريكة بدأ يتحدث، مخاطباً إياي بمصطلحاته العويصة، وكأنه كان يريد أن يجعلني أعلق معه على طريقة الفنان سعيد صالح، (نفس العلقة اللي فاتت، لا قلمْ زاد، ولا قلم نقص)، فما كان مني إلا أن رفعتُ يدي طالباً منه “نقطة نظام”، مثلما يفعل أبناء بلدنا الذين تعلموا الديمقراطية (على كَبَرْ)، وقلت له: عفواً عفواً يا أستاذ، أطالبك بأن تتحدّث، في هذه الجلسة الطيبة، مثلما نتحدث نحن الدراويش الغلبانون، فإذا أصررتَ على الاستعلاء علينا، وإظهارنا بمظهر الناس الذين لا يفهمون، فسأكون مضطراً لإحضار ورق “الشدّة”، وطي صفحة الأحاديث السياسية..
بعدما انصرف ضيوفي، قالت لي السيدة سلسبيل زوجتي إنها تعيش معي منذ 34 سنة، ولم ترني بهذه الحالة من انعدام اللباقة، بل العكس، إن صديقنا عبد القادر عبد اللي يعيب عليَّ الإفراطَ في اللباقة والديبلوماسية، ويسميني “العاقل”، فكيف تجرَّأت وحكيت مع الرجل هكذا؟ فقلت لها إن الإنسان إذا حاصر قطّاً في مكان ضيق، فإن عليه أن يترك له مكاناً للنجاة، لئلا يقفز إلى وجهه ويجرحه. ولعلمك، يا تاج راسي، أن هذا الرجل اعتدى عليَّ، بعبقريته الزائدة، حينما كنا نزلاء في فندق في القاهرة، وكان بإمكاني، هناك، أن أغادر الجلسة من دون أي إحراج. أما هنا فقد هاجمني وحاصرني في عُقر داري، فكان لا بد أن أشهر في وجهه نقطة النظام، فإن لم أفعل فلربما أُصاب بالجلطة.