لا توجد الشعبوية في المجتمعات شديدة الاستبداد، لأن المستبدين، كحال المجتمعات التي تحكمها الانقلابات العسكرية، يتبنون أيدلوجيات تمجد النخب الحاكمة، وترسّخ السلطوية، وترفض فكرة إرادة الجماهير التي تروجها الشعبوية، كما أنها لن تسمح بانتشار الحركات الشعبوية، وغالبا ستقضي على قادتها.

شاع أخيرا استخدام مصطلح الشعبوية، للتعبير عن صعود قيادات وحركات جماهيرية مؤثرة في الغرب، مثل دونالد ترامب في أميركا ومارين لوبان في فرنسا والحركات المعادية للأجانب في بريطانيا، حيث دأب الإعلام على وصف هؤلاء بالشعبوية، نظرا لصعودهم على موجة كبيرة من المد الجماهيري الغاضب والمعادي، في أحيان كثيرة، للنخب الحاكمة ومؤسسات الحكم الرئيسية، وكذلك للمهاجرين والأجانب.
لذا، يحق لنا أن نسأل: ما هي الشعبوية؟ مم تتكون؟ هل توجد في بلادنا أم يقتصر وجودها على الدول الغربية؟ هل هي حركة معادية للآخر، كالمهاجرين والمسلمين؟ ما تأثيرها على قضايا أساسية، كالديمقراطية والتحول الديمقراطي؟
الشعبوية في أحد تعريفاتها العلمية إيدلوجية فقيرة تعتمد، في تكوينها، على عدد قليل للغاية من المفاهيم. لذا لا توجد بمفردها في الواقع، بل تعيش غالبا متسلقةً على أيدلوجيات أخرى أكبر، تمدّها بما تحتاج من أفكار سياسية. أي أن الشعبوية تقوم، كفكرة، على ثلاثة أفكار أساسية، الشعب والنخب وإرادة الشعوب. إنها ترى نفسها، بوصفها إيدلوجية، تدافع عن شعب نقي يتعرّض للظلم والتمييز والتجاهل على أيادي نخب فاسدة. لذا، تطالب بحقه في السيادة والتعبير عن إرادته من خلال الوصول إلى الحكم وضمان وضع القوانين وبناء المؤسسات التي تضمن التعبير عن إرادته.
بمعنى آخر، ترى الشعبوية الشعب دائما في صورة النقي المظلوم، سواء كان فلاحين فقراء يتعرّضون لظلم من نخب العاصمة، أو عمال المدن والأحياء الفقيرة، أو الطبقات الفقيرة
“تعيش الشعبوية متسلقة على الإيدولوجيات السائدة في المجتمع، يسارية أو رأسمالية أو دينية”

 والمتوسطة البيضاء في بعض الدول الغربية التي تشعر بأن النخب الحاكمة نقلت المصانع خارج بلادها، وتركتها تعاني الفقر والبطالة، وفتحت بلادها للمهاجرين. في الوقت نفسه، تنظر الشعبوية إلى النخب على أنها فاسدة، لا تستجيب لإرادة الناس. وباختلاف المجتمعات، تتغير مكونات النخب، فقد تكون النخبة رجال المال والأعمال في “وول ستريت”، أو النخب السياسية في عواصم الدول الغربية، أو النخب العسكرية وحلفاءها الاثرياء في الدول العربية. ويلاحظ هنا أن الشعبوية تفترض دائما وجود تجانسٍ كبير في أوساط الشعب والنخبة. لذا تقف على نقيض من إيديولوجيتين أخريين، النخبوية والتعدّدية، فالنخبوية تميل إلى النخب على حساب الشعوب، والتعدّدية ترفض أن تنظر إلى الشعب والنخب كيانات متجانسة.
التعدّدية، وهي إيدولوجية وثقافة منتشرة في الدول الغربية الليبرالية الأكثر تسامحا، تحاول دائما النظر بدقة في مكونات المجتمع. لذا ترفض اعتبار أن شعب دولةٍ ما هو كيان واحد، وتراه دائما مكونا من فئات مختلفة متفقة أحيانا ومتصارعة أحيانا أخرى. على المنوال نفسه، ترفض التعدّدية النظر إلى النخب كيانا متجانسا، وتحاول دائما فهم مكونات النخب من صالح وفاسد ومتعايش مع الأوضاع القائمة لغياب البديل.
أما الشعبوية فتعتمد على التبسيط وبناء عالمٍ منقسم إلى فئتين فقط: الشعب الطاهر في مقابل النخب الفاسدة، وترى أن الحل في تمكين الشعب وتقويض النخبة. وتختلف تطبيقات الشعبوية باختلال المجتمعات التي تنتشر فيها، وأسباب الاحتقان في تلك المجتمعات، وهي تظهر عادة في المجتمعات التي تمر بمراحل تحول عصيبة، وتشعر فيها الجماهير بمخاوف وجودية عميقة لأسباب سياسية أو اقتصادية، كالحروب أو الاستبداد أو البطالة الواسعة.
وتعيد الشعبوية تفسير نفسها وفقا للمجتمع الذي تعيش فيه، ففي المجتمعات اليسارية تميل الشعبوية إلى حقوق الفقراء والعمال ضد النخب الرأسمالية. وفي المجتمعات المتدينة تنظر الشعبوية إلى الشعب باعتباره أغلبية متدينة طاهرة ضد نخب علمانية فاسدة، متواطئة مع الأقليات الدينية في الداخل، وأتباع الأديان الأخرى في الخارج. وفي المجتمعات الرأسمالية التي تنتشر فيها العنصرية، تنظر الشعبوية إلى الشعب كأهل البلاد الأصليين الذين يحافظون على القيم الغربية، ونمط الحياة الغربي في مقابل نخب العواصم الفاسدة التي تسمح بدخول المهاجرين، وتستثمر أموالها في الخارج.
وهكذا تعيش الشعبوية دائما متسلقة على الإيدولوجيات السائدة في المجتمع، يسارية كانت أو رأسمالية أو دينية، فالشعبوية قادرة دائما على تكييف نفسها فكرة. وطبعا، يحتاج انتشار الفكرة لحاملين، سواء كانوا قادة مشهورين كدونالد ترامب، أو أحزابا وحركات جماهيرية، كالأحزاب اليمينية والمعادية للمهاجرين في أوروبا. ويلاحظ هنا أن الشعبوية تحتاج درجةً من الديمقراطية لكي تعيش وتنتشر، وإن كانت تمثل خطرا على الديمقراطية نفسها.
لا توجد الشعبوية في المجتمعات شديدة الاستبداد، لأن المستبدين، كحال المجتمعات التي تحكمها الانقلابات العسكرية مثلا، يتبنون أيدلوجيات تمجد النخب الحاكمة، وترسّخ السلطوية، وترفض فكرة إرادة الجماهير التي تروجها الشعبوية، كما أنها لن تسمح بانتشار الحركات الشعبوية، وغالبا ستقضي على قادتها.
لذا، تحتاج الشعبوية درجةً من الحرية والانفتاح السياسي. وغالبا ما توجد في الدول المستبدة التي تسمح بقدر من الانفتاح، كمصر حسني مبارك، أو في الدول الديمقراطية، ويرى بعضهم أن الشعبوية يمكن أن تلعب دورا مساعدا للديمقراطية في الدول المستبدة التي تسمح بقدر من التنافسية لأنها تحاول تنظيم الناس والتعبير عن إرادتهم. ويمكن أن ينطبق الحال نفسه على الدول الديمقراطية، حيث تنظم الشعبوية الفئات المهملة من النخبة، وتساعدها على المشاركة.
في الوقت نفسه، تمثل الشعبوية خطرا على الديمقراطية في الدول التي تمر بفترات تحوّل ديمقراطي، وعلى الديمقراطيات المستقرة أيضا، لأن الشعبوية تفترض دائما تجانس الجماهير والنخب، وهو غير صحيح، وتخلق حالةً من الاحتقان والخوف والرغبة في الصدام، كما أنها ترفض وضع قيود على إرادة الأغلبية، وتحاول تقويض الضمانات المؤسسية التي تحمي حقوق الأقليات، وتضمن التنافسية بين القوى السياسية المختلفة.
وهكذا، قد تلعب الشعبوية دورا إيجابيا في بلد كمصر مبارك، لأنها تساعد على تعبئة الجماهير وإشراكها، ولكن وجودها مثل عبئا على مصر الثورة، لأنها لم تدرك تأثيرها السلبي على 

“قد تلعب الشعبوية دورا إيجابيا في بلد كمصر مبارك، لأنها تساعد على تعبئة الجماهير وإشراكها”

الديمقراطية، وكونها تقود إلى الاحتقان بلا نظرة وحلول واقعية، وتفترض دائما تجانسا غير قائم في أوساط النخب أو الجماهير، كما أنها تعادي الأقليات، وتدعو إلى تمكين الأغلبية ومنع الأقليات من المنافسة.
وقد عرفت مصر بعد الثورة ثلاثة أنواع من الشعبوية، أولها ديني ادّعى دوما التعبير عن إرادة الشعب المتدين في مواجهة النخب العلمانية الفاسدة التي تحارب هوية الشعب، وتنهب ثرواته، وثانيهما شعبوية يسارية ناصرية الهوى ادّعت التعبير عن حقوق الفقراء والمهمشين في مواجهة النخب الفاسدة والرأسمالية والنيوليبرالية المرتبطة بالغرب والناهبة لثرواته. وتعد الشعبويتان، الدينية واليسارية، من الشعبويات الضاربة بجذورها في مصر، والتي نمت خلال عهد مبارك والعهود السابقة له، مستفيدة من حالة الاحتقان السياسي والاقتصادي التي تعيشها البلاد منذ عقود. ومن الانفتاح النسبي خلال عهدي السادات ومبارك، من شعور الناس الدائم بفساد النخب وعدم استجابتها لهم.
أما الشعبوية الثالثة فقد وظفتها السلطة نفسها بعد الثورة باقتدار، مستفيدة من القبول الجماهيري للفكرة الشعبوية ذاتها، شعبوية السلطة نظرت إلى شباب الثورة وإلى المطالبين بالديمقراطية باعتبارهم نخبا معزولة منكبة على مصالحها الفئوية المتعالية، والمرتبطة بالخارج، في مقابل الشعب الطيب الفقير المنكب على لقمة عيشه غير المشغول بقضايا كالديمقراطية وحقوق الإنسان، وهي أفكار راجت بشدة قبل انقلاب يوليو 2013 العسكري وبعده. أما حاليا فتعيش مصر فترة قمعٍ هائلة لمختلف الأيدولوجيات والحركات الشعبوية، لأن النظام الحاكم هو من النوع المستبد غير التنافسي الذي لا يسمح إلا بصعود أفكار وحركاتٍ تمجّد السلطوية والفئات الحاكمة، كالجيش والمؤسسات الأمنية، وكل ما يقومون به.