الأزمة الحادة التي مرت بها الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في تونس، أخيرا، وأدت، في النهاية وبعد تجاذبات حادة، إلى انسحاب رئيسها، صحبة عضوين من هيئته، سدّدت ضربة موجعة لهذه الاستعدادات المبكرة التي عمّقت أزمة الثقة في الانتخابات البلدية المرتقبة.

في صيف ساخن، بدأت في تونس أولى الخطوات في مسار الانتخابات البلدية التي ستجري في ديسمبر/ كانون الأول المقبل باردة باهتة، على الرغم من ثقل المسؤوليات والمهام التي حملها الدستور إلى السلطة المحلية التي ينتظر أن تكون البلديات أولى لبناتها. 
اختارت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات ذكرى انطلاق الثورة موعدا لإجرائها في دلالة مكثفة أن الانتخابات هذه استكمال لمطالب الثورة وترسيخ للانتقال الديمقراطي. يجري هذا كله وسط مخاوف كبيرة، وخصوصا أن مرحلة التسجيل في الانتخابات البلدية انتهت قبل أيام، وسط مخاوف من استفحال ظاهرة العزوف التي قد تعصف بأول انتخابات بلدية بعد الثورة. فالعنوان الكبير التي تجري فيه الأخيرة، كما أشير سابقا، يفيد بأن السلطة المحلية التي نص عليها الدستور هي أحد أبرز شروط المواطنة واستكمال المقاربة التشاركية في إدارة الشأن العام، بعد عقود طويلة من الدولنة المفرطة والمركزية المشطّة.
لم تستطع الحملة الإعلامية التي رافقت عملية التسجيل الانتخابي إضافة سوى نصف مليون ناخب تقريبا لسجل الناخبين من بين أكثر من أربع ملايين ناخب افتراضي، عزفوا عن التسجيل في الانتخابات السابقة، وشكلوا خزانا للصمت المريب. كيف يمكن تبرير هذا العزوف، والبلد على عتبة أكثر من استحقاق معلق، خصوصاً أن البلاد شهدت تغطية شاملة لمجالها الترابي بالبلديات، حين سنّ مجلس النواب جملة من التشريعات، أنشأت أكثر من 250 بلدية جديدة، ومع ذلك ظل الإقبال ضعيفا؟
الفرضيات التي نقدمها لفهم هذا العزوف المبكر، في انتظار استكمال كل محطات هذا المشوار، 
“مخاوف من استفحال ظاهرة العزوف التي قد تعصف بأول انتخابات بلدية بعد الثورة”

عديدة، خصوصا وقد عوّل نشطاء سياسيون ومدنيون عديدون على هذه الانتخابات، لاعتبارات شتى، تدور كلها بشأن حيوية الشأن المحلي، باعتباره من ركان المقاربة “عن قرب” للديموقراطية، فإذا كانت الانتخابات التشريعية والرئاسية السابقتان قد فشلتا نسبيا في “استدراج” المواطن العادي إلى الشأن العام وإقحامه في مقتضياته، فإن الرهان كان كبيرا على هذه الانتخابات بالذات.
يؤاخذ متابعون عديدون الحملة الإعلامية التي ظلت، حسب رأيهم، ضعيفة، ولم تفلح في شد الرأي العام في موسمٍ يشهد “ذروة الارتخاء”، فالإجازة الصيفية التي تحيل جزءا كبيرا من المجتمع التونسي إلى استقالة مؤقتة، في ظل انشدادهم لتفاصيل الشأن الخاص (إجازات مطولة، موسم المناسبات العائلية، المهرجانات…) قد حالت دون الإقبال على التسجيل أو حتى مجرد الاهتمام بها. ربما فشلت هذه الخطوة الأولى في أن تحرك فيهم ساكنا، وهم الفارون من الشأن العام إلى الشأن الخاص.
لكن، علينا حتى نفهم هذه المؤشرات الأولى للعزوف أن نستحضر عوامل مهمة حفّت بالسياق الحالي لانطلاق المشوار الانتخابي. تأخر إصدار مجلة (قانون) جديدة للجماعات المحلية، والمحلية التي من شأنها أن تجسّد روح الدستور، و ما جاء به في هذا الأمر، وهو الذي نص أول مرة، كما أشير أعلاه، على مسألة السلطة المحلية التي تتيح للسكان إدارة شأنهم المحلي. 

“بعد سبع سنوات من الثورة تقريبا، تفاقمت معضلات البلاد، على غرار البطالة والفساد والتفاوت بين المناطق والجهات”

ولم يستسغ الرأي العام إرجاء هذا المشروع إلى بداية الخريف المقبل. ويخشى بعضهم أن تتم الانتخابات بنصوص قديمة، ستفقد روح ما جاء به الدستور. لقد أضعفت هذه الاحترازات تلك التعبئة وكأن الناس مدعوون إلى إحياء نظام قديم ثبت فشله. يتهم نشطاء سياسيون ومدنيون عديدون السلطات بأنها تلغي من أوليات اهتماماتها هذا التحول النوعي الذي حرص عليه الدستور. وعلى الرغم من أن مجلس النواب قد تعهد بإصدار هذه المجلة الجديدة، قبل إجراء الانتخابات في منتصف ديسمبر المقبل، فإن ذلك لم يبدّد تلك الشكوك.
كما أن الأزمة الحادة التي مرت بها الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، خلال الأشهر الأخيرة، وأدت، في النهاية وبعد تجاذبات حادة، إلى انسحاب رئيسها، صحبة عضوين من هيئته، قد سدّدت ضربة موجعة لهذه الاستعدادات المبكرة التي عمّقت أزمة الثقة في الانتخابات برمتها، وهي الهيئة التي كانت تعد فوق “الشبهات”، فإذا كانت الخلافات قد عصفت بأغلب الهيئات الدستورية والوطنية، على غرار هيئة الحقيقة والكرامة وهيئة مكافحة الفاسد (قبل قدوم العميد شوقي طبيب) وهيئة مقاومة التعذيب.. إلخ، فإن هيئة الانتخابات قد أوحت خطأ أنها متماسكة، غير أن الحقيقة خلاف ذلك.
ولكننا نعتقد أن الأمر أعمق من ذلك بكثير، وهو يتعلق بالأداء السياسي للنخبة والطبقة السياسية عامة الذي كان مخيبا، خصوصا أمام تعمق الأزمة الاقتصادية، وحتى السياسية التي تعصف بالبلاد في الأشهر الأخيرة، وقد عمقتها تصريحات الوزراء التي زرعت مناخا من التشاؤم والشك، حين أعلم وزير المالية بالنيابة الشعب أن البلاد عاجزة عن دفع أجور موظفيها، مع بداية الخريف. بعد سبع سنوات من الثورة تقريبا، تفاقمت معضلات البلاد، على غرار البطالة والفساد والتفاوت بين المناطق والجهات. قد يكون هذا الأداء الذي ظل ثابتا في ضعفه، على الرغم من تتالي الحكومات محدّدا في تواصل هذا العزوف. ومع ذلك، سنذهب إلى انتخابات بلدية تظل، في النهاية، مشوقة ومثيرة، على الرغم من أن رهاناتها الظاهرية غير سياسية بالدرجة الأولى. الخريطة السياسية والتوزع الجغرافي الدقيق للقوى السياسية (حركة النهضة وحزب نداء تونس تحديداً)، وحتى المدنية (سيكون أهم الدلالات لما ستكون عليه نتائج الانتخابات البلدية).