لا يرقى بيان باريس، بعد لقاء الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون ورئيس حكومة الوفاق الليبية، فايز السراج، والجنرال خليفة حفتر، إلى مستوى الاتفاق أو الوثائق السياسية، فصيغته، الأقرب إلى الشفوية، تقترب من إعلان نوايا مايثير النقاش بشأن جدوى عقد هذا اللقاء.

على الرغم من إهمال مؤسسات الدولة وتباعد التناقضات السياسية في ليبيا، تمكّنت الهيئة التأسيسية من الانتهاء من مشروع الدستور، وهو ما يمكن اعتباره من التطورات السياسية المهمة التي طال انتظارها، فإلى جانب تباطؤ الإعداد لجولة جديدة من الحوار السياسي زاد اختلاف التطلعات ما بين رئيس حكومة الوفاق ورئيس مجلس الرئاسة، فايز السراج، والجنرال خليفة حفتر، بما يكشف عن الخلافات العميقة بين توجهات الطرفين حول مستقبل الدولة وحل الصراع المسلح وتجديد شرعية المؤسسات، يمكن النظر إلى خطوة الهيئة التأسيسية، ليس فقط باعتبارها متغيراً سياسياً جديدا يعيد ترتيب النقاش بشأن الانتهاء من المراحل الانتقالية، لكنه يثير النقاش فيما يتعلق بالتحديات التي تواجه الاستفتاء على الدستور.

مبادرة حكومة الوفاق
يلخص رئيس مجلس الرئاسة المشكلة الراهنة في عدم اضطلاع المؤسسات بالاستحقاقات الواردة في الاتفاق السياسي الموقع في الصخيرات في ديسمبر/كانون الأول 2015، والانقسام الحاد في مؤسسات الدولة، ولذلك تضمنت المبادرة تشكيل لجنة من مجلسي النواب والدولة لمعالجة الانقسام وإعداد قانون الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، بالإضافة إلى ترتيباتٍ أخرى تتعلق بتهيئة المناخ للمرحلة الجديدة؛ المصالحة بين المدن والعفو العام، ومع التطورات الجديدة تكون السلطة التشريعية أمام إصدار قانون الاستفتاء.
في هذا السياق، اتخذ رئيس حكومة الوفاق، فايز السراج، قراراً ينفي مشروعية أي قرارٍ لا يصدر عنه، ويوافق عليه المجلس الرئاسي، ويدخل هذا التحديد ضمن صلاحيات الرئيس، كما وردت في اتفاق الصخيرات، حيث يمنحه حق الصوت المرجّح، أو ما يمكن تعريفه بحق الاعتراض. ولكن كان ملاحظا أن السراج لم يستخدم هذا الاختصاص خلال الفترة الماضية، قد يرجع اللجوء لهذه المادة إلى وقف التحرّكات الفردية لأعضاء المجلس الرئاسي ومعالجة انفلات السلطة.
وفي مسارات متوازية، تمكنت حكومة الوفاق من بسط سيطرتها على العاصمة طرابلس، حيث

“اتخذ فايز السراج قراراً ينفي مشروعية أي قرارٍ لا يصدر عنه، ويوافق عليه المجلس الرئاسي”

تمكنت من إخراج مسلحي حكومة الإنقاذ (يرأسها خليفة الغويل)، وعدم تمكينهم من الاحتفاظ بمقرات داخل المدينة، وهي تحرّكات مناظرة لما حدث في بنغازي مطلع يوليو/ تموز 2017، ما يشيع حالة من التوازن السياسي والعسكري بين فايز السراج وخليفة حفتر، يصعب معها فرض سيطرة أيٍّ من الطرفين على الدولة.
ومع تعقد الوضع السياسي، طرح السراج في 15 يوليو/ تموز 2017 مبادرةً، تقوم فكرتها على تحويل الصراع السياسي في ليبيا نحو توفير الحد الملائم لأرضية السلام، فهي ترتكز، في جوهرها، على إعادة بناء شرعية المؤسسات الليبية عبر المصالحة والانتخابات، بحلول مارس/ آذار 2018، وتشكيل مجلس أعلى للمصالحة الوطنية، وذلك للانتقال إلى مرحلة أخرى، وهو ما يشكل نقطةً جوهريةً في إعادة تأسيس الشرعية، وتعد هذه المبادرة امتداداً لخطاب السراج في القمة العربية (29 مارس/ آذار 2017)، حيث ركّز على أهمية التوافق العربي على دعم الحوار السياسي وعدم التعامل مع الأجسام الموازية للسلطة، وحفز المؤسسات المنضوية تحت “الاتفاق السياسي” للقيام بالتزاماتها.
وقد أثارت المبادرة نقاشاً كثيرًا بشأن مسألتين مهمتين؛ ملاءمة البيئة السياسية لإجراء انتخابات حرة ونزيهة في ظل انتشار السلاح وانقسام المؤسسات، والتوافق على الإطار القانوني لتسيير العملية الانتخابية. وفي هذه الجزئية، يمكن القول إن مبادرة السراج تتلاقى مع توجهاتٍ جنوبية في النظر إلى المشكلة السياسية، حيث اعتبرت اللجنة التحضيرية لتجمع القوى الوطنية في فزان أن المشكلة لا تسير فقط على وقع معاجلة انهيار الخدمات في الجنوب الليبي، أو السيطرة على الموارد النفطية والمائية، ولكن للبحث في المصير السياسي للمنطقة. وقد ذكرت اللجنة في بيانها (17 يوليو/ تموز 2017)، أن فشل المراحل الانتقالية، وعدم التوافق حول الدستور، جعلا مؤسسات الدولة رهينةً لأطراف انتهت شرعيتها. يبدو التوجه العام نحو تبني سياستين، الحرص على عدم الانخراط في المشكلات بين الشرق والغرب والتركيز على التنمية الاقتصادية المحلية، والبحث في الوضع السياسي للجنوب، بعد انتهاء اتفاق الصخيرات.

سياسة فرنسا وليبيا
أعلنت الخارجية الفرنسية، في 18 مايو/ أيار 2017، عن التوجه إلى تعزيز دورها السياسي والأمني في ليبيا، حيث ترتكز على بناء المؤسسات الليبية، وخصوصا تكوين جيش قادر على إلحاق الهزيمة بالإرهابيين، ويكون تحت سلطة مدنية.
وبشكل عام، تلاقت المبادرة الفرنسية (25 يوليو/ تموز 2017) مع المقترحات الأخرى

“انهيار إعلان نوايا المبادرة الفرنسية يرجع إلى تشتت مواقف الليبيين أنفسهم تجاه غايات الحوار السياسي”

للحل السياسي، حيث أشارت إلى أهمية الحل السلمي للأزمة، عبر مصالحة سياسية تشمل جميع الليبيين والعدالة الانتقالية، وذلك إلى جانب تطبيق الترتيبات الأمنية في الاتفاق السياسي (المادة 34)، وبناء الدولة المدنية وإنهاء انقسام مؤسسات الدولة. وتكشف الفقرة 5 من بيان باريس عن نظرة عكسية إلى تراتب المؤسسات في ليبيا، وذلك عندما نصت على أهمية إيجاد ظروف مواتية لعمل مجلس النواب ومجلس الدولة، واللجنة الوطنية العليا للانتخابات، للتحضير للانتخابات التشريعية والرئاسية. وهنا، ظهرت اختلافاتٌ، كان مبعثها طبيعة الصلاحيات المخولة لكل من السراج وحفتر، فبينما ذهب رئيس المجلس الرئاسي إلى أن البيان يخضع لمشاورات مع الأطراف الأخرى، احتج رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، على لقاء باريس باعتبار مشاركة حفتر تجاوزاً لسلطة مجلس النواب في إقرار سياسات الدولة.
وعلى الرغم من إشارة المبادرة الفرنسية إلى البدء بإعداد خريطة طريق إلى الأمن والدفاع عن الأراضي الليبية، اختلف منظور تصريحات كل منهما، حفتر والسراج، إلى أساس العمل المشترك مع فرنسا، فقد اتضح في مقابلتين معهما في تلفزيون فرانس 24، في 26 يوليو/ تموز 2017، أنه لم يحدث تحريك للموقف السياسي في ليبيا بعد لقاء الرجلين في أبوظبي في 2 مايو/ أيار 2017، بل كانت التصريحات التالية أكثر تبايناً، وليست تطويراً للتوجهات التي أعلنتها القاهرة. في بداية العام الحالي.
بدت المبادرة الفرنسية كأنها محاولة لاستدراك القصور في مبادرة السراج، واستكمال جولات الحوار الثنائية، والتي جرت خلال الشهور الماضية، حيث ركزت على تهيئة المناخ لإجراء الانتخابات، بما يشمل وقف إطلاق النار وجمع السلاح ودمج المليشيات في الجيش والمؤسسات أو المدنية، وهي تتسق مع قرار مجلس الأمن 1995 ومقررات مؤتمري باريس 2013 وروما 2014 بشأن الأمن في ليبيا.
منذ صدور مقرّرات اجتماع باريس 2013، والخاصة بتدريب الجيش وأجهزة الأمن وجمع السلاح والتأكيد على المسار الديمقراطي، لم يحدث تقدّم للسياسة الفرنسية في ليبيا، وظلت على هامش الحراك الدولي. ولكن، مع وصول إيمانويل ماكرون إلى رئاسة فرنسا، يبدو أنها تسعى إلى مراجعة سياساتها في البحر المتوسط. وبالنظر إلى اجتماع باريس، يمكن القول إن محتوى البيان لم يقدّم جديداً يختلف عن مضمون القرارات الدولية أو المبادرات المطروحة في أوقات سابقة.
إذاً، يكمن التحدي أمام فرنسا في الوقوف على مسافة واحدة من كل الأطراف الليبية غير المصنفة إرهابية، حسب قرارات مجلس الأمن، والقدرة على طرح بدائل سياسية قابلة للتحقيق. ولعل المعضلة العامة في السياسة الليبية تتمثل في سياسات ضبط الصراعات المسلحة ومعالجة تشتت الكيانات السياسية وتنافرها، لتكوين كتلة حرجة، يمكن الارتكاز عليها لتنفيذ أي حل سياسي. قد تكون الانتخابات الآلية القريبة لتنفيذ هذا المسار، لكنها تتطلب الحد الأدنى من ضمانات الحرية والنزاهة.

بين السلمي والعسكري
كشفت مقابلتا فايز السراج وخليفة حفتر في تلفزيون فرانس 24 في 26 يوليو/ تموز 2017 عن ظهور اختلافات عميقة، ليس فقط في التعامل مع المبادرة الفرنسية، ولكن في سياسات

“قد يمثل الخلاف بين السراج وحفتر بشأن طبيعة المجلس الرئاسي نقطة ثانوية، لكن الجدل بشأن إدارة طرابلس يرقى إلى خلاف جذري”

إدارة الأزمة السياسية في ليبيا. من وجهة تحقيق الانتقال السياسي عبر الانتخابات، يخلص السراج إلى أن التفكير في حل عسكري للمشكلات السياسية نوع من الحماقة، لم ينصرف تصريحه فقط إلى طرابلس، لكنه كان معنيا بالمفاضلة بين المسارين العسكري والسلمي، وهذا ما يكشف عن تفاوتٍ في إدراك طبيعة المشكلات بين مفردات الخطاب السياسي لدى كل من فايز السراج وخليفة حفتر، وهو سياق يعكس الاختلاف بين منظوري الخروج من الأزمة السياسية.
قد يمثل الخلاف بين السراج وحفتر بشأن طبيعة المجلس الرئاسي نقطة ثانوية، لكن الجدل بشأن إدارة طرابلس يرقى إلى مستوى الخلاف الجذري، فبينما يذهب السراج إلى أن العاصمة تحت سيطرة حكومة الوفاق، وأن محاولة دخولها بالسلاح نوع من الحماقة، وهو ما وصفه حفتر بالمبالغة في تقدير قوة المكونات العسكرية في العاصمة، وبشكل لا يستند إلى الواقع، فالخلاف يتعلق بعدم الاعتراف بالسراج رئيسًا للحكومة، وليس مجرد مناقشة موضوعات وقضايا تفصيلية. ومن هذه الوجهة، يتسق حفتر مع مساراته السياسية والعسكرية التي تسعى إلى إعادة هيكلة السياسة في ليبيا.
في هذا الجانب، تبدو تصورات حفتر عن التركيبة السياسية متباينةً عن قناعات الأطراف الأخرى، حيث يرى أن الدولة تعمل تحت تبعية البرلمان بجهازين متوازيين؛ العسكري (الجيش) والسياسي (المجلس الرئاسي). وكما يرى أنه ينفرد بإدارة الشؤون العسكرية، يسعى أيضاً إلى التفاهم بشأن المسار السياسي. ويضعف هذا التصور فكرة التلاقي على حلول سياسية، من وجهين: الأول، أن السياسات العسكرية هي خارج نطاق التفاهمات السياسية. وبهذا المعنى، سوف تكون إدارة العمليات العسكرية مستقلةً عن التغيرات في المسار السياسي، وهذا ما يتسق مع الوجه الثاني، حيث إن فكرة توازي الأجهزة لا تعني فقط رفض العمل تحت إمرة فايز السراج، ولكن لأجل إبعاد المشروع العسكري عن المساومات السياسية، أو أن يكون ضمن إطار التسويات، خصوصاً ما يتعلق بسياسات دمج المسلحين أو نزع سلاحهم.
وفيما يتعلق بوقف إطلاق النار، على الرغم من وضوح مبادرتي السراج وباريس، يعكس استثناء العمليات الخاصة بمكافحة الإرهاب مواقف مرنة وفضفاضة لتعريف وقف الصراع وتهيئة المناخ لإجراء الانتخابات، حيث يشكل صدور قوائم إرهابية من خارج الأمم المتحدة قيوداً تمنع تطوير المبادرات السياسية، فإدراج قوائم جديدة يتعارض مع توجهات الاتفاق السياسي (المادة 33) في دمج حاملي السلاح في الجيش أو مؤسسات الدولة، ويضعف الثقة في برامج نزع السلاح.
ولذلك، توسع خليفة حفتر في التحفظات على وقف إطلاق النار، حيث ربطه بالتصنيف الخاص للكيانات الإرهابية، عندما استثناها من الدخول في العملية السياسية، وركّز على أن وقف الحرب يكون مع الكيانات الجانحة إلى السلام. ولذلك، رفض الاعتراف بالمجلس الرئاسي أو الانضمام إليه لوجود عضوين أو أكثر يتبعون “القاعدة” و”داعش”، الأمر الذي يمكن أن ينصرف إلى ممثلي “الإخوان المسلمين” والتجمع الإسلامي.
لذلك، يمكن تفسير انهيار إعلان نوايا المبادرة الفرنسية بأنه يرجع، من ناحية، إلى تشتت مواقف الليبيين أنفسهم تجاه غايات الحوار السياسي. ومن ناحية أخرى، فإنه، على الرغم من تداخل أطراف دولية عديدة في الأزمة الليبية، اتجهت فرنسا إلى اتخاذ ترتيبات منفردة من دون التنسيق مع مجموعة الاتصال الدولية التي تصدر بيانات منذ 2014، تعبر فيها عن مواقفها المشتركة. وهذا ما يفسر احتجاج إيطاليا على التحرك المنفرد، ودعت فرنسا إلى عدم تكرار أخطاء الماضي، ما يعكس الخلاف بين البلدين بشأن السياسة تجاه ليبيا.
ويمكن القول إن بيان باريس لا يرقى إلى مستوى الاتفاق أو الوثائق السياسية، فصيغته، الأقرب إلى الشفوية، تقترب من إعلان نوايا تجاه عدد من القضايا، ما يثير النقاش بشأن جدوى عقد هذا اللقاء من دون تنسيق مع الدول الأوروبية أو الإقليمية. وبالتالي، يقترب الموقف من أنه مبادرة فرنسية تتراص بجانب المبادرات والمقترحات الأخرى، كما مبادرات دول الجوار ومصر.
وبينما رحب السراج بصدور مشروع الدستور (30 يوليو/ تموز 2017) والبعثة الدولية، لم تصدر تصريحات أخرى تعبر عن موقف الحكومة المؤقتة (طبرق)، وهو ما قد يعكس حالة قلق من التحول نحو المسار الدستوري، والخروج من الجدل حول اتفاق الصخيرات، لعل مصدر هذا القلق يرجع إلى تباين مواقف الأطراف الليبية من الحل السياسي، وتفضيل الحل العسكري، ما يشكل عقبة أمام الاستفتاء على الدستور، لا تقتصر فقط على انتشار الصراع والانهيار السريع لمبادراتٍ كثيرة. ولكن في نقص الدعم الدولي لحماية الاستفتاء والاعتراف بنتائجه. ولكن، على أية حال، وضعت الهيئة التأسيسية سياسيي ليبيا أمام استحقاقٍ جديد، ينهي جدل الحلقة المفرغة حول الخروج من المرحلة الانتقالية.