لا لم أبلغ من العمر عُتيًا، ولم أصل لشتاء العمر بعد لما أدركت خيبة العرب، خيبتنا! فقط رأيت الواقع من مسافة أبعد، بعدما كنت قريبة منه حد الالتصاق، دائمًا ما أومن بأنه علينا ترك مسافة بيننا وبين القضايا التي نترصدها، أو العوالم التي نتربصها، إنه فن المسافات!

ثم إني لما كُنت على درجات أعلى من السذاجة، كنت أعتقد أن كل شهيد شهيد بحق، وأن كل مُتألم متألم بحق، وأن كل محب محب بحق، ووصلت بي السذاجة لأعتقد أن من خط اسمه تحت نص أو مقال فهو حتمًا له، وأن كل ناطق باسم الإنسانية فهي بالضرورة كائنة فيه قبل أن يتشدق بها.

لكني وبعدما تركت مسافة بيني وبين الواقع، ربتت الخيبة على كتفي ببرود وجمود من فرط الصدمة.. إنها أدركت أن كل ما أومن به مجرد قشور، وأن الشهيد اختار الشهادة لتُخلده ذاكرة المجتمع قبل أن يُخلص جهاده ذاك لله عز وجل وابتغاء مرضاته وجناته، وأيقنت أن الألم والحزن والحب ما هي إلا مساحيق تجميل نتزين بها أمام مرئى الناس لنرى أيهم أقوى تأثيرًا وأشد جذبًا.. قبل أن تكون مشاعر نابعة من أصدق عضو غرزه الله فينا، ولما قرأت كثيرًا .. أبصرت ببصيرة الحق حجم حرصنا على حقوق النشر! حجم الثقافة والفصاحة التي نمتلكها، بحيث أصبحنا جميعًا أدباء وشعراء حتى، ونُقاد من الطراز الرفيع.

لا أحد يجبرنا أن نكون شهداء، أو متألمين، ولا حتى أدباء، العالم لا يطالبنا بشيء سوى أن نتلون بما نحب، ألا نختلق شيئًا ليقال عنا فلان قال وفلان فعل، مع العلم أن الفلان الآخر هو من قال وهو من فعل! العالم لا يطالبنا بشيء سوى أن نكون أنفسنا!

لقد ولى زمن الجهاد، حين جثم كفار قريش بجلموذ صخر على بطن بلال في صحراء مكة فيقول: أحد، أحد، ما كان يبتغي بذلك أن تلتقطه أضواء الكامرات، ولا أن تعرضه قنوات التلفزة، ولا أن يطلق عليه لقب شهيد فقد وضع الله أولًا وآخرًا، وأخلص جهاده وشهادته لله وحده، ليس كجهاد اليوم قد عبثت فتن الدنيا فبات المُبتغى شهرةٌ وألقابٌ.

ولى الزمن الحب حين قال قيس ابن الملوح

أما وعدتني يا قلب أني إذا ما تُبتَ عن ليلى تتوب
فها أنا تائب عن حب ليلى فما لك كُلما ذكرت تذوب

فيجتمع الحب والألم والأسى والإشتياق في قلب قيس المتيم بليلى فلا يجد بُدا إلا أن يتلفظ بتلك الأبيات المكتوبة على شفى أمتار من قلبه.

ولى زمن الأدب يوم رثت الخنساء أخاها صخرًا، فاجتمع شعراء العرب كلهم في سوق عكاظ، فأبى النابغة الذبياني إلا أن يشهد بأن الخنساء أشعر العرب! يومها انحنت المساواة إجلالًا للنابغة الذبياني.

لقد كانت الأمة وقت ذاك لوحة مُعجِزة لو اجتمع عليها رساموا الأرض جميعا ليرسمو مثلها ما استطاعوا، إلى حين جعلناها نحن سوداء مُعتمة، فأصبحنا كسائر الأم، بل أدنى، بعدما كنا أفضل أمة أخرجت للناس! لن تشتكي الروم بعد اليوم من الصخب الذي كنا نحدثه، ولن تسمع عنا الفرس بعد اليوم فتستشيط غيظًا، حتى الأمم الأخرى ستلاحظ كم أصبحنا باليين، فصخب الحياة فينا قد تلاشى في اللحظة التي قررنا فيها أن نصبح أنساخًا مُتشابهة وتركنا أنفسنا.