1- كتاب: الإحكام في أصول الأحكام

هذا الكتاب يعد جوهرة المذهب الظاهري وأيقونة علم أصول الفقه، فقد جعله ابن حزم مدخلا ومآلًا لمعرفة التميُّز الذي يفصل بين مدرسته وسائر المدارس الأصولية، ومن خلاله نقَلَ مستوى الخلاف من مجرد التنازع في بعض القواعد الأصولية إلى بيان المشكلة الحقيقية التي تفرِّق بين المدرستين والتوجُّهين، فابن حزم بعد سرده للغرض من الكتاب وعَرْضه للفهرس الإجمالي؛ بدأ بباب أسماه: إثبات حجج العقول. بيَّن فيه أن أساس كل حكم ومَرجع كل نزاع بين أي طرفين يجب أن يكون هو العقل لأن حقيقة العقل كما يقول ابن حزم: هي تمييز الأشياء المدرَكة بالحواس وبالفهم ومعرفة صفاتها التي هي عليها جارية على ما هي عليه فقط. (الإحكام: 1/ 28)، وفي هذا الباب يناقش كثيرًا من المذاهب التي تجعل مرجعيتها التشريعية إما الأئمة والشيوخ أو الإلهام أو الخبر أو التقليد، وفصَّل الردَّ عليهم تفصيلا مطوَّلًا، بل بدأ كلامه في مناقشتهم، ثم عرَّج على تقرير مذهبه في المسألة، وغالبًا هذه هي طريقة ابن حزم في معالجة المسائل، وذلك أن يبدأ في ذكر أقوال المخالفين فيسرُدَ كلامهم بالنقل من كتبهم أو بالرواية الإسنادية، ثم يَشرَع في تفنيدها بالتفصيل، ثم بعد ذلك يقرر رأيه، وهذا المنهج يسمى في علم الجدل بالسبر والتقسيم، أي: عرض كل الاحتمالات الواردة، ثم إبطال ما هو باطلٌ منها، وتصحيح المتبقِّي بالدليل الذي يراه المُناظِر.

بعد تقرير حجج العقول ينتقل الإمام ابن حزم إلى المسألة الثانية المهمة عند أهل الظاهر من المسائل التي ذكرتُها آنفًا وهي اللغة، فيناقش مسألة ظهور اللغات وهنا يستعمل الطريقة العقلية التي قرَّرها في الباب السابق لعرض رأيه ودعمه في مقابل المذاهب الأخرى، فهو يرى أن اللغات توقيفية أي راجعة إلى الوضع الإلهي، يقول ابن حزم في معرض مناقشته:

… لأنه لا سبيل إلى بقاء أحد من الناس ووجوده دون كلام والكلام حروف مؤلَّفة، والتأليف فِعْلُ فاعلٍ ضرورةً لا بد له من ذلك، وكل فعل فَعَلَهُ فلهُ زمانٌ ابتُدِئَ فيه لأن الفعل حركة تَعُدُّها المُدَدُ [أي: حركة محسوبة بمُدَّة معينة] فصحَّ أن لهذا التأليف أوَّلًا والإنسان لا يوجد دونه، وما لم يوجد قَبْلَ ما له أوَّلٌ فله أولٌّ ضرورةً، فصحَّ أن للمُحْدَثِ مُحْدِثًا بخلافه، وصحَّ أن ما علم من ذلك مما هو مبتدأ من عند الخالق تعالى مما ليس في الطبيعة معرفته دون تعليم فلا يمكن البتة مَعْرِفته إلا بمعلِّم علَّمه الباري إياه، ثم علَّم هو أهلَ نوعِهِ ما علمه ربُّه تعالى. (الإحكام: 1/ 30).

وهذا الباب يحوي مادَّة دسمة لما يسمى الآن بـفقه اللغة واللسانيات، وكثير من فروعهما، فقد ضمَّنه ابن حزم أصول المسائل التي يجب على المتخصصين في هذه الفنون دراستها والتمكُّن منها.

ثم زاد ابن حزم توسُّعًا في قضيتي العقل واللغة. ليخصص الباب الخامس والسادس والسابع والثامن والتاسع كلها لتثبيت الأساس الفكري لمدرسة أهل الظاهر، ومن خلال عناوين هذه الأبواب الخمسة ندرك قداسة ثنائية العقل – اللغة عند ابن حزم خصوصًا، وأهل الظاهر عمومًا، فقد جاءت تلك الأبواب كالتالي:

– الباب الخامس: في الألفاظ الاصطلاحية الدائرة بين أهل النظر.

– الباب السادس: هل الأشياء في العقل قبل ورود الشرح على الحظر أم على الإباحة؟

– الباب السابع: في أصول الأحكام في الديانة وأقسام المعارف، وهذا الباب يفتتحه ابن حزم بقوله: قد ذكرنا فيما خلا من هذا الكتاب وفي غيره من كتبنا أنه لا طريق إلى العلم أصلًا، إلا من وجهين أحدهما ما أوجبته بديهة العقل وأوائل الحس والثاني مقدمات راجعة إلى بديهة العقل وأوائل الحس. (1/ 65).

– الباب الثامن: في البيان ومعناه.

– الباب التاسع: في تأخير البيان.

وباختصار؛ يمكن القول إن كتاب: الإحكام في أصول الأحكام. يعد بمثابة الدستور الأعلى للمدرسة الظاهرية – ومع ذلك سأبين لاحقًا أنه ليس إلا تطبيقًا أصوليًّا (نسبةً لأصول الفقه) للكتاب الذي يُعدُّ أساس نظرية المعرفة وهو التقريب لحد المنطق، ودراسته ليست بالأمر السهل في الواقع لأنها تتطلب من الباحث أن يكون قد قطع شوطًا لا بأس به في أبجديات أصول الفقه بالإضافة إلى تمكُّنه من اللغة العربية التي تبدو بمستوى عالٍ جدًّا في كتابات ابن حزم وغيره من الأندلسيين الذين كان اعتناؤهم باللغة حاصلا مع بدايات طلبهم للعلوم، يقول المؤرخ صاعد الأندلسي عن صاحبنا: كان ابن حزم أجمع أهل الأندلس قاطبة لعلوم الإسلام، وأوسعهم معرفة مع توسُّعه في علم اللسان، ووفور حظه من البلاغة والشعر. (سير أعلام النبلاء: 18/ 187).

2- كتاب المُحَلَّى بالآثار شرحُ المُجَلَّى بالاختصار

قال الإمام عز الدين ابن عبد السلام: ما رأيت في كتب الإسلام في العلم مثل (المحلى) لابن حزم، وكتاب (المغني) للشيخ موفق الدين (السير: 18/ 194)، وكعادة الفقهاء وضع ابن حزم متنًا فقهيًّا ليسهل على الطلبة حفظُهُ؛ حيث سرد فيه كافة أبواب الفقه مع ذكر آرائه واختياراته باختصار وسمَّى هذا المتن المجلَّى بالجيم، ولم يشرحْهُ شرحًا مباشرًا، بل بدأ بتأليف كتاب ضخم جدًّا يعدُّ أكبر موسوعة علمية في الفقه المقارن والخلاف العالي المدعوم بالحجج والأدلة، هذا الكتاب هو كتاب الإيصال إلى فهم كتاب الخصال الجامعة نِحَل شرائع الإسلام في الواجب والحلال والحرام والسنة والإجماع، وهو شرحٌ موسع جدًا لكتاب مختصر آخر هو الخصال، ولكن مع الأسف كلٌّ من الأصل والشرح مفقودان لحد الآن، غير أن كتاب الإيصال الكبير الذي وصفه المؤرخ الذهبي بأنه خمس عشرة ألف ورقة”! قد حُفِظ لنا بصورته المختصرة التي قد تكون قريبة لحد ما إلى النسخة الأصلية، وذلك في الكتاب الذي أتحدث عنه وهو المحلى، فابن حزم الذي كأنه استشعر خطورة الهجمة التي تعرض لها من قِبَل متعصبي المالكية حتى قال في ذلك شعرًا يخلِّد فيه محرقة كُتُبه:

فَإِنْ تَحْرِقُوا القِرْطَاسَ لاَ تَحْرِقُوا الَّذِي … تَضَمَّنَهُ القِرْطَاسُ بَلْ هُوَ فِي صَدْرِي

يَسِيْرُ مَعِي حَيْثُ اسْتَقَلَّتْ رَكَائِبِي… وَيَنْزِلُ إِنْ أَنْزِلْ وَيُدْفَنُ فِي قَبْرِي

أقول؛ يبدو أن تلك الحملة التي طالت كثيرا من كُتُبه جعلته يفكر في حلول بديلة لحفظ علومه بعد نفيه من حاضرة قرطبة إلى قرية لبلة منت لشيم المعروفة بـمونديخار حاليًا، فوضع لنا النسخة المصغرة لكتاب الإيصال، وكُتب لتلك النسخة البقاء حتى شهِد العلماء لابن حزم بفضلها أنه كان أحد العباقرة، وأن كتابه ذلك هو في صدارة الموسوعات الفقهية كما رأينا ذلك في كلام العز ابن عبد السلام وتعقيب الذهبي عليه في الموضع نفسه من السِّيَّر، وكتاب المحلَّى لا يمكن اختصاره في بعض الكلمات لتوصيفه وشرح منهجيته، بل ذلك يستدعي بحثًا مستقلًّا على حِدَة، ويكفي أن أشير إلى أن ابن حزم قسَّمه إلى الكتب المعتادة عند الفقهاء ككتاب الصلاة والطهارة والنكاح وغيرها، ثم يبدأ بسرد المسائل بطريقة مختصرة ولا شك أن تلك المسائل تمثل متن المجلَّى الآنف الذِّكر، ثم ينطلق في عرض كلام الفقهاء المخالفين وسرد حججهم العقلية والنقلية ثم تفنيدها، لينتقل بعد ذلك إلى تقديم رأيه في المسألة محلَّ البحث فيذكُر رأيه ويسرد أدلته التي غالبًا ما تكون خاصةً به، وذلك ما جعل المحلى ابتكارًا جديدًا في طرق الاستدلال إلى حد جعل كثيرًا من العلماء يتعجَّبون من عبقريته وأحيانًا من غرابة حججه، وبالرغم مما اشتمل عليه هذا الكتاب العظيم من مُشادَّة كلامية قاسية نوعًا ما، إلا أنه مصدر أساسي لطلاب الفقه والفقهاء من سائر المذاهب، وفي بعض الأحيان يكون المصدر الوحيد لنقل آراء العلماء الذين اندثرت كُتُبهم ولم يُعْتَنَ بنقل أقوالهم خاصة من فقهاء المدرسة الظاهرية كالإمام داود بن علي الأصفهاني وابنه الإمام أبي بكر بن داود وأبي بكر ابن المغلِّس والقاضي منذر بن سعيد البلُّوطي القرطبي وغيرهم.