الوهابية دعوة سلفية إصلاحية تنسب إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي ولد في أوائل القرن الثاني عشر للهجرة ببلدة العينية من نجد في جزيرة العرب.

طبيعة الخصومة

وقد استُهدفت الوهابية لحملة نقد واسعة، حيث كان لها خصوم كثيرون تختلف منطلقاتهم في هذه الخصومة. ومن الجدير بالذكر أن هذا الاختلاف يرجع إلى طبيعة الدعوة الوهابية نفسها.

1. لأنها دعوة إصلاحية في الصميم قامت على محاربة الخرافات والضلالات وتقويم  الخلل في العقائد والأعمال؛ فكان التصدي لها ممن لا يتفقون وخطتها الإصلاحية أمرًا محتومًا منتظرًا.. وهكذا ينقشع الضباب عن منطلقات دينية مبدئية لقسم من أولئك الخصوم، كما أن أصحاب المنطلقات الدينية فئات عدة، وهي بين فئة تناقض الوهابية في أصولها، مثل الشيعة الإمامية والطرق الصوفية المنحرفة.

 وفئة تختلف معها في الفروع المتصلة بالإصلاح وعلى رأس هذة الفئة الأخ الشقيق لداعية الوهابية سليمان بن عبد الوهاب.

أ. وقد بذلت الفئة التي تخالف الوهابية في أصولها – و هي في الحقيقة أصول أهل السنة والجماعة – قصارى جهدها في التصدي لها، ورمتها بتهم ليس يخفى بطلانها على المنصفين، وكان من الذين تزعموا حملة الطعن على الوهابية إبان الدولة السعودية الثالثة رجل الدين الشيعي محسن الأمين العاملي ووضع في ذلك كتبًا عدة منها (الرد على الوهابية) فزعم فيما عابه عليها أنها تقول بكفر ما عداها من المسلمين (1)، وأنت ترى أنها شبهة من الضعف بحيث يغني بطلانها عن إبطالها، وهي تصلح كنموذج لمدى صحة أسانيد هؤلاء المناهضين للدعوة في حملتهم عليها.

جملة القول إن خصوم الوهابية من هذة الفئة ليسوا من الإنصاف في شيء، فماذا يقال في خصومه عمادها الكذب والتزوير واللجاجة، إلا أنها خصومة لا يعول عليها العقلاء في نقد الوهابية.

ب. وأما الفئة التي لا تختلف مع الوهابية في أصولها، إنما تعيب عليها تشددها في خطتها الإصلاحية بغير سند شرعي صحيح.. في كتابه  (الإسلام في القرن العشرين) جاء المفكر الكبير عباس العقاد بخلاصة وافية لهذة الخصومة قائلًا؛ (ولا آخر للمناقشات التي دارت حول دعوة ابن عبد الوهاب مقابلة لتفسير بتفسير أو لآية بآية أو لحديث بحديث أو مخالفة لما يفهم من مقاصد هذه الآيات وهذه الأحاديث، فلا يعنينا هنا أن نفصلها أو نخوض مع الخائضين في جدلها، ولكننا نرى في جملة ما تصفحناه من الآراء المتقابلة أن الإجماع منعقد أو يكاد على استنكار البدع والخرافات التي ذكرها ابن عبد الوهاب، ولكن الخلاف على الشرك أو التكفير أو على درجة الشرك الذي يخرج صاحبة عن الملة. وأكبر من خالف الشيخ في ذلك أخوة الشيخ سليمان، صاحب كتاب الصواعق الإلهية، وهو لا يسلم لأخيه بمنزلة الاجتهاد والاستقلال بفهم الكتاب والسنة، ويقابل تفسيراته بتفسيرات تذهب في غير مذهبها، ويعتمد على ابن تيميه وابن القيم في مناقشة أخيه، فيقول إن من أصول أهل السنة المجمع عليها كما ذكراها.. أن الجاهل والمخطئ من هذه الأمة يعذر بالجهل والخطأ حتى تتبين الحجة التي يكفر تاركها بيانًا واضحًا لا يلتبس على مثله، أو ينكر ما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام مما أجمعوا عليه إجماعًا قطعيًا جليًا يعرفة كل المسلمين.

ويرى أن البدع التي يمر بها الأئمة جيلًا بعد جيل، ولا يكفرون أصحابها، لا يكون الكفر فيها من اللزوم الذي يوجب القطع به و يستباح من أجله القتال.. ويمضي العقاد قائلًا: وظاهر من سيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أنه لقي في رسالته عنتًا، فاشتد كما يشتد من يدعو غير سميع، ومن العنت أطباق الناس على الجهل والتوسل بما لا يضر ولا ينفع، والتماس المصالح بغير أسبابها، وإتيان المسالك من غير أبوابها، وقد غبر على البادية زمان يتكلون فيه على التعاويذ والتمائم وأضاليل المشعبذين والمنجمين ويدعون السعي من وجوهه توسلًا بأباطيل السحرة والدجالين حتى في الاستسقاء ودفع الوباء، فكان حقًا على الدعاة أن يصرفوهم عن هذه الجهالة، وكان من أثر الدعوة الوهابية أنها صرفتهم عن ألوان من البدع والخرافات، ولكن المهم في الإصلاح أن ينصرفوا عن الجهل الذي يوقعهم في بدع غير تلك البدع وخرافات غير تلك الخرافات، وأن يكون النهي على قدر الضرر الزائل وعلى قدر النفع المنتظر، وهذا ما بقي للزمان أن يحكم فية بعد دعوة ابن عبد الوهاب(2).

2. و لأن الدعوة الوهابية توسلت بالسلطة الزمنية في تعميم خطتها الإصلاحية على أبناء الجزيرة كان لها خصوم سياسيين  تحللوا في خصموتهم من مبادئ الإنصاف والموضوعية كما هو شأن السياسيين غالبًا، فكانت الدعاية العثمانية تعمل عملها في تشوية صورة الوهابية منذ قيام الدولة السعودية الأولى لأنها نازعتها سلطانها على جزيرة العرب، وفي عهد الدولة السعودية الثالثة تولت الدعاية الحجازية متمثلة بالشريف حسين مناهضة الدعوة الوهابية؛ لأنها توجست من تمددها إلى الحجاز خيفة وهذا ما كان.

كلمة التاريخ

إذا حاكمنا الدعوة الوهابية إلى المقياس الذي ذكرة العقاد آنفا – وهو مقياس صحيح كما نرى – ربما عرفنا كلمة التاريخ في الوهابية.

1.المهم في الإصلاح أن ينصرف الناس عن الجهل الذي يوقع الناس في ضلالات غير تلك الضلالات التي واجهتها الدعوة الوهابية في حياة صاحبها.

الحق أقول إن هذة الدعوة بلغت في هذة الوجهة الغاية وأفلحت كل الفلاح.

2. المهم في الإصلاح أن يكون النهي على قدر الضرر الزائل وعلى قدر النفع المنتظر.

إن أي متابعة نزيهة لشأن الدعوة الوهابية ترينا أن هذا النهي لم يكن على قدر الضرر الزائل والنفع المنتظر، بل جاوزه حتى أورث هذه الدعوة شيئًا من الجمود في مواكبة العصر إلى شيء من التشدد تجاه الآخر، وليس أدل على ذلك من توسعها في استعمال مفردة البدعة لوصف الآراء الفقهية التي تناقض بعضًا من آرائها.

 نخلص من هذا إلى أنها دعوة إصلاحية سنية في الصميم عالجت واقعًا فاسدًا وإن اشتدت في معالجتها، ولكن السؤال الكبير هنا؛ هل لا زال لهذه الدعوة عمل تعمله في الإصلاح أم أنها وقفت حيث بلغت غايتها؟

جوابًا علية نقول: إذا كانت بلغت غايتها فقد ضاق نطاق عملها للغاية، ولكنه عمل باقٍ على أية حال. وفي الختام نستحضر وصية التاريخ للوهابية، ونقول فيها كما قال المؤرخ ول ديورانت عندما كتب معللًا أن الناس بأجمعهم لم يستجيبوا لرؤية غاندي الإصلاحية؛ لأنه من العسير أن توقف التاريخ عن مجراه.