مما لا يخفى على أحد، أن البنية السيكولوجية للإنسان معقدة جدًا، وما زاد تعقيدها هو هذا الانفتاح المهول الذي نعيشه اليوم في عالم الديجيتال أو بالأحرى العالم الإلكتروني المعقد الذي ساهم في عملية رقمنة الذوات ونزعها من كينونتها الموضوعة سلفًا إبان الوجود الأول، وفي ذلك يا سادة اغتصاب للأفكار وللأيديولوجيات التي جعلت الإنسان مركز ثقل الكون، ولعل هذا التشبيه الفيزيائي ضخم نوعًا ما.

في الآونة الأخيرة زادت قائمة الإدمان كثيرًا، ففي السابق كنا نتحدث عن المخدرات وما جاورها من قبيل الهيروين والقهوة والسجائر والقمار، لكن حاليًا يمكن أن نضيف لها إدمانًا من نوع آخر، ألا إنه عالم الويب، وتحديدًا إدمان الفيس بوك –Facebook الذي يعد اليوم من أكبر مواقع التواصل الاجتماعي على شبكة الإنترنت، حيث قفز للمرتبة الأولى عالميًا من حيث عدد الزوار والأعضاء، إنه عالم افتراضي يقطع حاجز الزمن والمكان ويضم الموقع اليوم أكثر من مليار و800 ألف مستخدم على مستوى العالم.

إذن سنحاول في هذا الطرح البنيوي، تحليل نفسية رواد المواقع الاجتماعية خصوصًا الفيسبوك مع التطرق لبعض المخرجات التي من شأنها تغير هذه الهلوسة الفكرية.

«صنع في أمريكا» كافية لنرفع لهم القبعة، مصنعون، مبتكرون، مبدعون، إلا إننا نحن المسلمين المستهلكين في انتظار آخر إصدارات الآيفون، لسان أحد الخليجين وهو يلتقط صورة سيلفي مروضًا أحد الصقور بجانب سيارة رباعية الدفع 4*4 على أنغام ويلي ويلي، باختصار :

ما أهم ما يطبع نفسية رواد الفيسبوك؟ وما هي الحلول الممكنة لتجنب ما أمكن سطوة المارد الأزرق؟

رقمنة المشاعر، عاجزون عن الإنصات لنداء الوجود، المواقع الاجتماعية مثل الفيسبوك أصبحت اليوم تشكل نافدة الإغاثة للكبير والصغير، للمراهق والبالغ، للرجل والمرأة، للرضيع والمسن، للفقير والغني، للإنس والجن ربما! أصبح الإنسان اليوم متشبثًا تشبث الجاهلية بالفيسبوك، حيث اندثرث جل العلاقات السوسيولوجية من صداقات واجتماعات ولقاءات، وحل بدل ذلك موقع أزرق جذاب بلونه يجمع الملايين في طابوره ليل نهار.

من خلال معاينة بسيطة لسيكولوجية رواد الفيسبوك يتضح أن أغلبهم يعاني هلوسة مرضية، وهنا لا بد أن تقوم منظمة الصحة العالمية بتصنيف إدمانه ضمن خانة أمراض القرن الواحد والعشرين، كيف لا وهي التي صنفت مؤخرًا العزوبية كإعاقة، عمومًا سيكولوجية الموقع الأزرق تتجلى في ما يلي:

المخرجات السيكولوجية للفيسبوكي.

الأسماء والألقاب الغريبة: كل متصفح لمواقع التواصل خصوصًا الفيسبوك يجد مدى نكران الذات، ومدى الانفصام في شخصية الإنسان العربي، فهناك أسماء جديدة يبرزها هؤلاء أملًا منهم في الحصول على أكبر قدر من تقدير الذات، ومن بينها حسب خبرتي المتواضعة في هذا المجال ما يلي: «عشيرت السيمو»، «حجابي سر عفتي»، «المريولة ؤون بيغسون»  فاتي ؤوفيسيال «وردة الجوري» ، هذه الأسماء تبرز بعمق مدى الاضمحلال الذي يعاني منه هؤلاء، فتقدير الذات وأهميتها مرتبط بشكل كبير بغرابة الاسم الذي نظهر به ومدى جاذبيته للآخرين مما يضعنا أمام هيستيرية خطيرة ستتجلى آثارها على المدى المتوسط والبعيد.

–الإحساس بالذات: وسط فشل ذريع على المستوى الاجتماعي لحوالي 90℅ من الأشخاص في ما يتعلق بالتميز والتفرد وجد البعض في الفيسبوك ملجأ آخر لتسويق الذات، وإبراز أهميتة في ظل قمع مجتمعي تجسده الشخصية الوهمية.

– العشق الممنوع : أيضًا يفشل الكثيرون في المجتمع في صنع وتكوين علاقات مع الجنس اللطيف، وقد يتم تبرير ذلك في غياب تام لشخصية مؤثرة ليس بالضرورة أن تكون كاريزماتية، لكن على الأقل أن تتحلى بفطنة متفردة، أيضًا المكانة الاجتماعية تلعب دورها نظرًا للإشكالية المادية أو المظهر الخارجي، لذلك يلجأ هذا الصنف للمواقع الاجتماعية ليلعب دور الذئب لاصطياد أحد الغزلان تمامًا كما يحدث في سهول منغوليا القديمة، ولعل من قرأ رواية «رمز الذئب» سيفهم نبض كلامي.

شخصيات مزيفة: كلنا يعلم أن هناك أشخاصًا لهم شخصية خجولة جدًا وأنهم يعانون في صمت، لذلك تجد مثل هؤلاء في الفيسبوك «كالسباع في السافانا»، ومن خلال منشوراتهم الجريئة والتي تحمل دلالات على القوة والجبروت قد ترفع لهم القبعة رغم إنك لم ترهم، لكن وبحكم أننا نعاشرهم آناء الليل وأطراف النهار ندرك مدى الهوس السيكولوجي الذي يطبع تكوين شخصيتهم.

-أنا فيسبوكي إذن أنا مثقف: عذرًا ديكارت على اغتصاب الكوجيطو «أنا أفكر،إذن أنا موجود» عمومًا من خلال التجارب الشخصية، أصدم في بعض الأحيان إننا أمة لا تقرأ، وإن إحصائيات الـ6 دقائق في المطالعة سنويًا مقارنة بـ(200) ساعة للأوروبي والإسرائيلي ما هي إلا مؤامرة ماسونية من صنع الغرب للضرب في العرب وفي ثقافتهم، تجد البعض كل يوم يقوم بنشر عناوين عدة روايات على أنه قام بمطالعتها كلها، فتتعجب على هذا الشخص، علمًا بأننا لو احتسبنا بعملية رياضية بسيطة الوقت الذي يقضيه في الحمام سيتجاوز بكثير الوقت المخصص لقراءة هذه الكتب ،لكن حب الذات وإبراز أنها واعية وأنها محيطة بالمستجدات التقافية هو سبب هذه الهلوسة التقافية.

-الفيسبوك يليق بك: مرة أخرى سنقتبس العنوان من رواية «الأسود يليق بك » للجزائرية أحلام مستغانمي، أغلبهم يعشق الموقع الأزرق حتى إن البعض سعيد في رقمنة حياته، فتجده لا يفكر في الخروج للواقع وسبر أغواره، كالمثل المغربي الذي يقول «شي عيش لافي وشي عايش فالكلافي» هؤلاء مكتفون بعالم الديجيتال الفيسبوكي، فمشاعرهم تقترن بأزرار الملمس، ولا مشكلة لديه من شريكة حياته الموجودة بـ(لاس فيغاس) ما دامت ترسل له بعض القلوب الإلكترونية، لتمر بعد ذلك لقضاء سهرة ماجنة بأحد العلب الليلية «فولولت ولي ولي وقلت لا تولولي وبيني اللؤلؤ لي».

-أزمة اللايكات: الكثير منا يربط قيمته بعدد الإعجابات التي يحصل عليها من طرف رواد الموقع الأزرق، فتقديره لذاته مرهون بهده العلامة مما يبرز بشكل واضح مدى الخلل النفسي الذي يعاني منه الإنسان العربي بالخصوص، فالثقة تنبع من الداخل لا الخارج،حتى إن هناك من يتوسل اللايكات بدون خجل.

– ظهور مدربي أو محتالي التنمية البشرية: في يومنا هذا «مدرب في التنمية البشرية» هي مهنة من لا مهنة له، احجز مقعدك من الآن، الأماكن محدودة، آخر فرصة، إنها لا تعوض ونحن تلاميذ الدكتور إبراهيم الفقى أتينا لنحملك للفضاء، نحن صناع النجاح، نحن مبدعو القرن الـ21، ملايين من الإعلانات والشعارات التسويقية لبرامج التنمية، باتت طاغية في الفيسبوك، تدعو الطلبة والخريجين للتنفيس عن غضبهم من المجتمع الذي أصابهم بأمراض البطالة والوساطة والمحسوبية، بإعطائهم جرعة حماسة مفرطة على يد مدرب تنمية بشرية لا يفقه شيئًا.

بعد ما قمنا بعملية جرد لمخرجات رواد الفيسبوك سنستعرض فيما يلي بعض الحلول العملياتية من أجل تجاوز هذا المعطى الأليم، في الماضي القريب لم تكن حياتنا مقترنة هكذا بالمواقع الاجتماعية كالفيسبوك، ربما كانت الأمور جميلة جدًا وذات مصداقية أكثر مع مواقع الدردشة كالـMSN، والياهو، وسكايب، حيث لم تكن هناك تعقيدات في الحياة كما الشأن اليوم.

حلول واقتراحات عملياتية للإفلات من قبضة مارك

– التعقل: طغيان العواطف زعزع كينونة الأشخاص، أفرادًا وجماعات، فيجب الاسترخاء وعدم التصريح بالمشاعر فجأة لأن ذلك يعمق من صبيانيتها، وجب تقوية العلاقات الاجتماعية وخصوصًا في المحيط الأسري لتمتين الروابط الأخلاقية والابتعاد أكثر عن هذه الظاهرة بشكل تدريجي حيث يجب عيش الواقع واقعيًا وليس افتراضيًا.

–القراءة وملء أوقات الفراغ: يجب المطالعة كثيرًا فلم يعد العائق المادي مشكلة، فاليوم يمكنك قراءة أي كتاب بصيغة الـ PDF، لهذا فالمطالعة كثيرًا تنسيك آلام الفيسبوك.

-الالتزام الأخلاقي مع الذات: يستخدم في علم النفس الاجتماعي للدلالة على عملية إقناع النفس بالالتزام بالمعايير الأخلاقية حيث يعتبرونها إرشادات وموانع للسلوك، وبمجرد ما يتشكل التحكم الداخلي، يمكن للأفراد السيطرة على أفعالهم وكبح نزواتهم الجامحة.

–إدارة الوقت: أمر ضروري لتحقيق النجاح في الحياة والأمر متروك للشخص نفسه من أجل تحديد الأولويات من الثانويات، ذلك إنه عوضًا عن الإبحار بالفيسبوك وجب اسثثمار الوقت في العلاقات الشخصية والعائلية المتينة. يؤكد علماء النفس على أن أي عمل تريد تنفيذه ينبغي قبل كل شيء أن تدرك فوائده، ليكون العمل فعالًا ويعطي النتائج المرجوة.

العمل الجمعوي: يندرج ضمن خانة المؤسسات السوسيوثقافية، ويشكل دعامة للمجتمع بخلق الأجواء الملائمة لتطوير قدرات الشباب لبناء مجتمع مسؤول يساهم في التنمية الشاملة والتغيير الجذري، والعمل على إدماج الشباب في عملية النمو الاجتماعي وفتح المجال للإبداع وإبراز القدرات على الخلق والابتكار.

التعلم عن بعد: هو عملية الفصل بين المتعلم والمعلم والكتاب في بيئة التعليم، ونقل البيئة التقليدية للتعليم من الجامعة، إلى العالم الافتراضي وهو ظاهرة حديثة للتعليم تطورت مع التطور التكنولوجي الرهيب، يمكنك استغلال الوقت في ذلك بدلًا من الفيسبوك.

الفلاش باك: تذكر كيف كانت حياتك بدون المارد الأزرق منذ عام أو اثنين فقط، وتذكر كيف قضيت سنوات المرحلة الثانوية والجامعية بدون وجود هذا الموقع، لذا تذكر كل الأنشطة التي كنت تقوم وحاول إيجاد خيط ناظم لكل ذلك في حياتك.

المختصر المفيد إنه وجب ضبط الذات وتغذيتها جدًا بالطموحات لكي لا يتسلل العبث لحياتنا ونختتم مقالنا بإحدى مقولات صاحب الفيسبوك مارك زوكربيرج:

   تحرك بسرعة واكسر الأشياء. إذا لم تكن تكسر الأشياء، فأنت لا تتحرك بسرعة كافية!