«إن الاستعمار ليس فوق اللوم، ولكن بالرغم من جوانبه القاسية فإن هناك أمرًا واحدًا يضفي النبل عليه ويبرره، ذلك هو مهنة الطب (إن العذر الوحيد للاستعمار هو الطب». – هيوبرت ليوتي جنرال فرنسي متوفي (1934)

كانت النظرة الغربية في تفسير التدهور الصحي لشعوب المستعمرات ترتكز على تقديم سببي الجهل والمرض في مقدمة الصورة التحليلية وإخفاء سبب الاستغلال الاقتصادي واستنزاف ثروات هذه الشعوب ودوره في جعلها مرتعًا للأمراض.

لم يؤد الاستغلال الاقتصادي إلى تخلف الوضع الصحي فقط بل كان سببًا رئيسيًا في انتشار المجاعات، فبعد أن كانت سياسة البلد تقوم على التنوع في الإنتاج الزراعي لتحقيق الاكتفاء الذاتي جاءت سياسة الاستعمار لتقوم على التخصص في الزراعة، ونتج عن ذلك نقص حاد في محاصيل حيوية منعت زراعتها مسببًا بالتالي تفاقم المجاعة.

كانت علاقة الطب الغربي بالمجتمعات المحلية علاقة نفعية، فإذا هددت الأمراض القوات المحتلة تدخل الاستعمار لتتبع الظاهرة الوبائية التي تهدد وجوده، وكأن القدر باغتهم بمقاومة ميكروبية بعد أن خمدت المقاومة البشرية، فلا بأس من تقديم طرق العلاج الغربية للسكان المحليين باعتبارها دورًا ثانيًا، أما إذا لم يشكل المرض المعني خطرًا على المحتل فمن الممكن تجاهله.

يعطينا مثال البلهارسيا واكتشافها في مصر دلالة واضحة على نفعية المحتل في تعامله مع الأمراض المحلية، فقد وصلت نسبة الإصابة بالمرض في العام 1937 إلى حوالي %47 من سكان مصر، وكان تيودور بلهارز الأستاذ الأوروبي في المدرسة الطبية في القاهرة أول من وصف طفيل الشيستوسوم المسبب للمرض عام 1851، وبعد الاحتلال البريطاني جاء آرثر لوس ليفترض دورة حياة خاطئة للشيستوسوم.

مبكرًا في حياته العملية كان يقول بوجود عائل رخوي وسيط ينمو فيه الميراسيديوم (طور يرقي يخرج من البيضة الهابطة إلى الماء مع بول أو براز المريض)، وبعد فشله في إثبات ذلك وعدم العثور على قواقع أو لافقاريات وسيطة مصابة بالميرسيديوم استنتج أن الميرسيديوم يسبح حرًا في الماء لساعات محدودة قبل أن يموت، كانت خطورة هذا الطرح الخاطئ أنه يعني أن ماء البرك والقنوات في كل مكان من المحتمل تلوثه بالميراسيديوم مع بول أو براز مريض بالبلهارسيا، فإذا أصيب جندي بريطاني بالمرض فى مصر فإن نقله إلى بلده من الأمور الواردة، ببساطة أصبحت البلهارسيا بعد فرضية لوس مرضًا يهدد الرجل الأبيض.

لم يتحمل البريطانيون الفرضية الخطيرة فأرسلوا روبرت ليبر لإجراء المزيد من الأبحاث على المرض، واكتشف ليبر حل لغز البلهارسيا عندما عثر أخيرًا على القواقع الوسيطة العائلة لطفيل الميراسيديوم، وبحسب هذا الاكتشاف فإن إمكان الخطر في تجمعات المياه مرهون بوجود العائل الوسيط، كما أن الجنود المصابين لن يستطيعوا إعادة عدوى أنفسهم أو نقل المرض مباشرة للآخرين، إذن لن تهدد البلهارسيا القوات البريطانية المحتلة إذا تم تجنب المياه الملوثة بالقواقع، ولن تنتقل إلى بريطانيا مع الجنود العائدين، بعدها في عام 1939 نشر هارولد سكوت كتاب تاريخ طب المناطق الحارة لم يرد فيه ذكر للبلهارسيا، وتجاهلها الكتاب نظريًا كما تجاهلها الاستعمار عمليًا.

كان الطب القادم مع المستعمر يحقق نجاحات لا تنكر في اكتشاف وتشخيص وعلاج الأمراض، غير أن التاريخ الاستعماري لايذكر شيئًا عن الأمراض الوبائية الداخلة مع الغزاة والتي حققت كوارث صحية لا تقارن بنجاحات الطب الغربي، فمن المعروف أن غزاة ميكروب يولوجين مثل الجدري والحصبة قد رافقوا الغزاة الأسبان في بيرو والمكسيك في أوائل القرن السادس عشر لاعبين دورًا مدمرًا في إبادة السكان المحليين وإسقاط إمبراطوريتي الأزتك والأنكا، وهو نفس ما حدث مع الكويكوي في جنوب أفريقيا في القرن الثامن عشر، والماووري النيوزلنديين وسكان جزر الهادي في القرنين الثامن والتاسع عشر، كما يعتقد أنه في 1789 أهلك الجدري نصف الأبورجينيين (سكان إستراليا الأصليين) جول بورت جاكسون. «عندي داء السفن» هكذا كان السكان المحليون يحدثون أنفسهم إذا شعروا بمرض غريب الأعراض أو العلامات.

هكذا نجد أنه لما كان الاستعمار لا يتوقف فقط على سياسات اقتصادية وعسكرية وإنما هو أيديولوجيا تعبر عن نفسها في الفكر والثقافة والتكنولوجيا، فإن الأوربيين استخدموا الطب الغربي ونجاحاته في تعزيز إحساسهم وإحساس غيرهم من الشعوب المحتلة بالتفوق العرقي، لذلك لم يكن غريبًا أن ينهض علم طب المناطق الحارة على فكرة عنصرية مؤداها أن هذه المناطق بدائية خطيرة، عكس المناطق المعتدلة الأكثر صحة وأمانًا.

يبدو أن المناطق المعتدلة نسيت أن أمراضًا مثل الملاريا والجدري والطاعون والكوليرا كانت حتى وقت قريب جزءًا من تاريخهم ومعاناتهم الإنسانية، وأن مسألة الفجوة العرقية لا أساس لها من الصحة سوى أنها توظيف لخدمة أيديولوجيا الاستعمار بشتى وسائله وأشكاله.