غالبًا ما أحب الموارنة أن يكونوا مختلفين عن محيطهم العربي والإسلامي وحتى المسيحي ذي الجذور الشرقية.

فمنهم من يقول إنهم أحفاد الفينيقيين وهذا الكلام غير صحيح؛ لأن الفينيقين سكنوا الساحل ولم يصعدوا أبدًا إلى تلك الجبال المرتفعة (جبال لبنان)، وإذا كان أحد حريًا بأن يُسمى بأحفاد الفينيقيين فهم أهل السنة الذين يسكنون مدن الساحل، لكنه من الممكن أن يكون قد حدث بعض التمازج قديمًا.

ومنهم من يقول إنهم من المردة لقب الحامية الرومانية التي هرب بعضها من الفتح العربي والإسلامي لبلاد الشام إلى تلك الجبال، حيث حاولوا مقاومة العصر الجديد من تلك الجبال الشاهقة، لكن هذا أيضًا غير صحيح؛ لأن المردة لم يعد لهم وجود من أيام العصر الأموي بعد الاتفاق مع ملك بيزنطة على إبعادهم إلى بلاده مقابل بنود أخرى في تلك الاتفاقية.

والبعض يقول إنهم بقايا الصليبيين الذين هربوا إلى الجبال اللبنانية بعد قضاء المماليك على آخر إماراتهم وحصونهم في الشام، لكن الموارنة موجودون قبل مجيء الصليبيين، لكن هذا لا يمنع حصول اختلاط كبير وتزاوج فيما بينهم كونهم من مذهب واحد، بل إن خلاف الموارنة مع باقي الطوائف المسيحية كان هو اتباعهم لكنيسة روما واعتناقهم للكاثوليكية منذ انشقاقهم عن السريان ونشأتهم على عكس كل الطوائف المسيحية المشرقية التي كانت نتبع المذهب الأرثوذكسي بشكل كامل قبل وصول البعثات التبشيرية من أوروبا وأمريكا الداعية إلى الكاثوليكية والبروتستانتينية، وفي هذه الأيام لا تزال بعض العائلات المارونية تحمل أسماء إفرنجية.

في الحقيقة إن أصل الموارنة هو من السريان الآراميين الذين يشكلون غالبية مسيحيي سوريا وهم والعرب من نسل سام بن نوح عليه السلام، نزل الكتاب المقدس (الإنجيل) بلغتهم السريانية (الآرامية) وعاشوا في سهول حمص وحماة على ضفاف العاصي، ثم بدأوا بالهجرة واللجوء إلى جبل لبنان الذي كان تقرببًا غير مأهول بالسكان بعد تدهور أوضاعهم في عهد الخليفة العباسي المتوكل، فكان ضعف الدولة العباسية وسيطرة الترك الأشداء الحديثي العهد بالدخول إلى الإسلام أثرا سلبيًا عليهم، بالمقابل اشتدت أيضًا الهجمات البيزنطية على شمال بلاد الشام فكان هناك خوف من عودة من اضطهاد الإمبراطورية الرومانية البيزنطية الأرثوذكسية وباقي الطوائف المسيحية التي تعتنق الأرثوذكسية لهم فهذا الانعزال لقرون طويلة في تلك الجبال كون لديهم ثقافة وطقوسًا خاصة مختلفة نوعًا ما عن أصولهم السريانية، فمعظم أسماء قرى وينابيع وأديرة لبنان ذات أصول سريانية، حتى إن الكنيسة المارونية تسمى في بعض الأحيان الكنيسة السريانية المارونية.

في العصر الحديث شجعوا القومية العربية كي يكسبوا ود المسلمين من العرب للتخلص من الدولة العثمانية، لكن عند مجيء فرنسا سرعان ما نادوا بالقومية الفينيقية ولبنان الكبير باعتباره وطنًا نهائيًّا لا بديل عنه بسلخه عن سوريا، وبذلك لفظوا حتى القومية السورية (الشامية) التي تؤمن بوحدة بلاد الشام تاريخيًا وجغرافيًا بعيدًا عن باقي العرب، وأوصلوا مؤسسها الأرثوذكشي أنطوان سعادة إلى المقصلة، وعلى رأسهم حزب الكتائب الذي اتخذ اسمه من حزب (الفلانج) الأسباني اليميني المتطرف بزعامة الجنرال فرانكو والذي يعني بالعربية (الكتائب)، وخرج أدباء كالكاتب سعيد عقل الذي نادى بجعل اللهجة اللبنانية المحكية هي اللغة المكتوبة في لبنان بديلًا عن الفصحى! وادعى حزب حراس الأرز الذي مثل قمة التطرف الماروني أن جبال لبنان الشامخة تمنع عن اللبنانيين رياح الصحراء والبداوة التي لا تمت إلى الحضارة والمدنية اللبنانية بصلة.

في الحرب الأهلية اللبنانية سنة 1975 كانت شرارة الحرب الأساسية هي الوجود الفلسطيني المسلح حيث شعر الموارنة بالقلق على الكيان اللبناني من هذا الوجود، فحملوا السلاح للتصدي له حسب زعمهم وبرر بعضهم التعاون مع إسرائيل على هذا الأساس، وكانت معارضتهم للوجود السوري أيضًا فيما بعد تحت هذا الشعار، ما جعل الكنيسة المارونية رأس حربة في معارضة الوجود السوري.

على الرغم من كل هذا خرج من الموارنة أعلام في الشعر والأدب العربيين والذين أغنوا اللغة العربية أمثال: نصيف اليازجي وبطرس البستاني وجبران خليل جبران وإلياس فرحات.