بي مثلُ ما بكَ منْ حزنٍ ومنْ جزعٍ *** وَقَدْ لجَأتُ إلى صَبرٍ، فَلَمْ أجِدِ

من منا لم يحزن؟ إن الحزن حالة شعورية تفرض نفسها ولا نسعى إليها، من منا لم يفقد عزيزًا أو حبيبًا أو صديقًا؟ من منا لم يفارق وطنًا أو يخسر حلمًا؟ من منا لم يُظلم  أو يُسلب حقه؟ من منا لم يشعر بالعجز أو الضعف أو الخذلان؟ من منا لم يكن يومًا سببًا في أحزان الآخرين!

لم يكن الحزن أبدًا منافيًا للإيمان ما دام القلب مطمئنًا والنفس راضية، فنبي الله يعقوب ابيضت عيناه حزنًا على يوسف  عليهما السلام، وها هو سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم يحزن لموت عمه أبي طالب ومن بعده زوجته الحبيبة السيدة خديجة رضي الله عنها في عام سمي بعام الحزن، وبكى صلى الله عليه وسلم لوفاة ابنه إبراهيم وقال: إن العين تدمع وإن القلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون.

ونحن عندما نحزن  تضعف قوتنا على التحمل وقدرتنا على التفكير وكأن الحياة توقفت لفترة من الزمن، قصرت أو طالت لكننا نحتاج أن نعيش لحظاتها لنستطيع تجاوزها بسلام. وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم حينما تشتد به الخطوب:

اللَّهمَّ إليك أشكو ضَعْف قوَّتي، وقلَّة حيلتي، وهواني على النَّاس، يا أرحم الرَّاحمين، أنتَ ربُّ المستضعفين وأنت ربِّي، إلى من تَكِلُني؟ إلى بعيدٍ يتجهَّمني؟ أم إلى عدوٍّ ملَّكْتَه أمري؟ إن لم يكن بك عليَّ غضبٌ فلا أبالي، ولكنَّ عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الَّذي أشرقَتْ له الظُّلمات، وصلحَ عليه أمر الدُّنيا والآخرة مِن أن تُنْزِل بي غضبك، أو يحلَّ عليَّ سخطك، لك العُتْبَى حتَّى ترضى، ولا حول ولا قوَّة إلا بك.

ولكل منا طريقة للتعبير عن حزنه، هناك من يؤثر الصمت والانعزال والوحدة، وهناك من لا يتوقف عن الحديث عن أسباب حزنه. والبعض لا تكف دموعهم  دون اعتبار لزمان أو مكان وآخرين يكتفون بقلوبهم محلًا لأحزانهم مستمرين في حياتهم كأن شيئًا لم يكن.

وعلى الرغم من أن الحزن حالة شديدة الخصوصية لكنه قد يمتد ليصبح حالة عامة تسود الأسرة أو المجتمع و ربما وطنا بأكمله وما أكثر الأوطان الحزينة حولنا ، لكنه لا ينبغي أن يكون حائلًا يمنع الأفراد من العمل ومحاولة الخروج من الأزمات والتغلب على العقبات.

ودافع  د/يحيى الرخاوي أستاذ الطب النفسي بكلية طب القصر العيني بجامعة القاهرة  عن حقنا في الحزن ما دام هناك ما يحزن حينما سؤل :«ماذا حدث للمصريين»؟  وأضاف: «أن المطلوب ليس هو أن نتخلص من الحزن، وإنما أن نستوعب طاقته لننطلق منه إلى الحياة الزاخرة بالحزن الشريف المولد للإبداع والحمد وغيره طول الوقت» .

وقد رأينا  كثيرًا  كيف يكون الحزن  سببًا في تولد حالة إبداعية يخرج فيها الشخص أفضل ما لديه وتجعله يكتشف قدراته الكامنة فربما يجد في لوحة يرسمها أو قصيدة يكتبها أو رواية ينسج خيوطها ما يواسيه في حزنه ويخفف آلامه ويضمد جراحه.

فعلى سبيل المثال  كانت قصائد الرثاء من أروع قصائد الشعر العربي  التي وصلت إلينا  حيث يعدد الشاعر في القصيدة  محاسن الميت ومناقبه حزنًا عليه  واتسع الرثاء  باعتباره غرضًا من أغراض الشعر العربي ليشمل الإنسان والحيوان والممالك والأوطان  وفي رثاء أخيها صخر قالت الخنساء:

أعينيّ جـودا ولا تجمـدا ….. ألا تبكيان لصخر الندى؟
ألا تبكيان الجريء الجميـل ….. ألا تبكيـان الفتى السيّدا؟

وربما كان الحزن سببًا في تحول جذري في صفات الإنسان، فألم الخيانة يصنع منا أشخاصًا أكثر حذرًا وألم الظلم يدفعنا للثورة، وألم الحرمان يجعلنا أكثر شعورًا بحاجات الآخرين، كما أن فقد من كانوا لنا سندًا وعونًا يجعلنا أكثر صلابة وقدرة علي مواجهة الحياة وتحملا للمسؤولية.

لكن لا ينبغي أبدًا أن نستسلم للحزن فيكون مدخلًا للاكتئاب وشتان بين الاثنين، فالاكتئاب مرض يصيب الإنسان نتيجة لاضطراب في المواد الكيميائية في الجسم أو خلل في التوازن الهرموني لدى الشخص وتساهم العوامل الوراثية والبيئية في الإصابة بالمرض،  والحزن الشديد أول أعراض الاكتئاب والتي تتنوع  ما بين شعور عام بالحزن تجاه كل الأشياء أو الإحساس  بالفراغ واللاشيء وفقدان القدرة على المتعة بالأنشطة التي كانت تثير الاهتمام من قبل، بالاضافة  لاضطرابات في الشهية والنوم  والخلط بين الاثنين ربما يؤدي لإهمال حالة مرضية تحتاج تدخلًا طبيًّا وعلاجًا دوائيًّا لا ينبغي الاستهانة بها، فالاكتئاب المرضي قد يؤدي في النهاية إلى الانتحار.

ومن هنا نرى أن الحزن شعور طبيعي يمر به الإنسان نتيجة لحدث ما وهو حق لا يمكننا مصادرته، لا يمكننا وصف الشخص الحزين بـ«الكئيب أو النكدي» حتى لو بدت لنا الأسباب غير مقنعة أو أنه يبالغ في حزنه، لكن بلا شك هو في أشد الحاجة للدعم والمساندة  وإن بدا رافضًا لها، يحتاج من يستوعب حزنه ويجيد التعامل مع طريقته في التعبير عنه، يحتاج من يمنحه وقتًا ليتجاوز آلامه، وما جاءت قصص الأنبياء إلا ليسري الله عن نبيه المصطفى بعض ما يلاقيه من مشقة وما كانت رحلة الإسراء والمعراج إلا بعد حزنه صلى الله عليه وسلم على فقد أحبته ومواساة له لما لاقاه بعد رحلته إلى الطائف، فكيف بنا نحن مع ضعف نفوسنا واختلاف قدرتنا على التحمل؟!

صحيح البخاري – باب قول النبي صلى الله عليه وسلم إنا بك لمحزونون