الإلحاد (Atheism) كما يدل عليه اسمه موقف سالب (أي يتضمن نفيًا). ففي اللغة اليونانية تعني «إنكارًا ونفيًا لما بعدها». والإلحاد في اللغة كما جاء في (لسان العرب) لابن منظور: «ومعنى الإلحاد في اللغة الميل عن القصد، ولحد علي في شهادته يلحدُ لحدًا أثم ولحد إليه بلسانه، مال الأزهري في قوله تعالى: ﴿لِسَان الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيّ وَهَذَا لِسَان عَرَبِيّ مُبِين﴾ (سورة النحل: الآية- 103) قال الفراء قرئ يلحدون فمن قرأ يلحدون أراد يميلون إليه ويُلحدون يعترضون. قال وقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ (سورة الحج: الآية- 25) أي باعتراض، وقال الزجاج ومن يرد فيه بإلحاد قيل الإلحاد فيه الشك في الله، وقيل كل ظالم فيه ملحد».

    أما كلمة الإلحاد في الإصطلاح: فقد عرفه (جوليان باجيني): بالقول إن الإلحاد «هو الإيمان بعدم وجود إله أو آلهه». فبحسب (جوليان) فإن الملحد هو «الشخص الذي لا يؤمن بأن هناك شيئًا ما وراء العالم الطبيعي الفيزيائي، وليس هناك من خالف مفكر ما وراء الطبيعي يستنبط من وراء الكون».

   كما عرف كلمة الإلحاد موسوعة لالاند الفلسفية بأنها «عقيدة قوامها إنكار وجود الله»، وفي مكان آخر أشار (أندريه لالاند) في قاموسه الفلسفي بالقول: «لا يمكن تعريف هذه المفردة إلاّ تعريفًا لفظيًا نظرًا لأن مضمون فكرة التلحيد يتباين وجوبًا حسب ترابطه بمختلف التصورات الممكنة لله».

   أما (دليل كامبريدج للإلحاد) فأشار بأنه: «من الصعب أن نضع تعريفًا للإلحاد لأن هذا المفهوم –مذهب الإلحاد- تطور عبر العصور مواكبة لتطور مفهوم الإله».

      ومن حيث دلالة الإلحاد فقد قال الفيلسوف (أندريه لالاند) بأن لكلمة الإلحاد دلالتين: «أولهما: دلالة نظرية: الإلحاد هو مذهب هؤلاء الذين لا يشعرون بالحاجة إلى التمادي في طريق السببية. ثانيهما: دلالة علمية: موقف هولاء الذين يعيشون كما لو أن الله لم يوجد، وهنا لا يمكن التلحيد في إنكار وجود الله، بل يكمن في إنكار قيمة فعله الفعّال في المسلك البشري».

   وختم (لالاند) في تعريفه للإلحاد بالقول: «والحال فإن هذه مفردة لا تبدو لنا مشتملة إلاّ على قيمة تاريخية ينبغي تحديدها في كل حالة خاصة، وتاليًا لا تحمل نظرية محددة فما هو تأكيد للألوهية عند البعض يمكن أن يكون إلحادًا عند البعض الآخر، وعليه فقد تناسب النقاش الفلسفي الذي تنزع من الجهة الثانية الخروج منه».

   طبعًا فإن الإله الذي تؤمن به الحضارة هذه غير التي تؤمن به الحضارة تلك، فأنت قد تنفي هذا الإله فتعد ملحدًا عند أبناء هذه الثقافة، لكن قد تبقى مؤمنًا عند ثقافة أخرى لم تنفِ آلهتها.

   فمثلًا «المسيحيون الأوائل كانوا يحرقون، كانوا يتخذون مشاعل يضعونهم على جوانب الطرق ألف مسيحي، ويضعون عليهم الزيت ويشعلونهم –في عصر الشهداء كما يُقال- لأنهم ملاحدة… ماذا أنكروا؟ أنكروا آلهة الإمبراطورية الرومانية، الآلهة الوثنية خصوصًا عبادة الإمبراطور، فكانوا يحرقونهم لأنهم كانوا لا يعبدون الإمبراطور. وعندما جاء قسطنطين أصبحت الديانة الرسمية في روما هي المسيحية، فصار الملحد هو من لا يؤمن بعقائد المسيحيين، وصار يعامل باعتباره ملحدًا وقد يقتل أو يسجن أو يعذب».

   كما أن قصة نهاية سقراط المأساوية ليست ببعيده عما نقوله، فهذا (جون مل) يقول: «وهذا سقراط حكم عليه مواطنوه بالإعدام بعد أن أدانوه قضائيًا لإلحاده، ولأنه فاسد الخلق مارق عن الدين، أتهموه بالإلحاد لأنه لا يؤمن بالإله الذي تؤمن بها المدينة». وتابع (مل) بالقول: «فأدانت الرجل الذي كان آخر إنسان يمكن أن يستحق الموت بوصفه مجرمًا، لأنه كان أجدر أهل عصره بالإجلال».

   ولو نظرنا إلى مفهوم الذي تبناه الفيلسوف الهولندي (إسبينوزا) للإله، ليس هو المفهوم السائد والشائع في الديانات التوحيدية، ولا حتى في ديانات أخرى غير توحيدية، إنما هو سائد في بعض الديانات الشرق أقصوية مفهوم وحدوي، مفهوم وحدة الوجود (ان الله هو والكون شيء واحد)، وطبعًا هذا المفهوم عند الأديان السماوية يعتبر مفهومًا إلحاديًا، وهذا يساوي أو يعادل حتى من أنكر الله، على الرغم من أن (إسبينوزا) قال: «أنا مؤمن بالله على طريقتي».

   وفي السياق الإسلامي فإن مصطلح الإلحاد يطلق على من عطل شيئًا من صفات الله، وعلى من أنكر أصلًا من أصول الدين. فهذا مثلًا (محمد بن زكريا الرازي) أنكر النبوة وسخر منها بالقول: «الله موجود لكن الله ليس بحاجة إلى أن يتصل بهذا العالم عبر بشر يسمون رسلًا. ما الرسل إلاّ سحرة العقل»، فعلى الرغم من عدم إنكاره لوجود الله إلاّ أنه يعتبر من وجهة نظر الحضارة الإسلامية ملحدًا.

   كما أن (أبو حامد الغزالي) كفر كل من ابن سينا والفارابي بمسائل معينة، كقولهم بقدم العالم وإنكارهم لعلم الله بالجزئيات وإنكارهم للمعاد الجسماني. كل هذا كفر بنظر الغزالي، على الرغم من أن ابن سينا أقام (برهان الصديقين) على وجود الله، إلاّ أن برهانه وإيمانه بالله لم ينفعه، فعّد من الزنادقة وعدّوا هو والفارابي ملاحدة، لأنهم خالفوا التصور السائد لدى المسلمين.

نشأة الإلحاد

   هناك رأيان متعارضان في ميلاد الإلحاد: «رأي يقول: إن الإلحاد لم يولد إلاّ في أوربا في العصور الحديثة. والرأي الثاني يرى بأن بلاد الإغريق عرفت الإلحاد بوجهات نظر فردية. فيلسوف يقول شيئًا، شكاك، سوفسطائي. فيلسوف طبيعي… إلخ». والرأي الراجح عندي هو الرأي الثاني، فمثلًا (كريتياس) كان يزعم: «أن الآلهة هي من صنع الخيال البشري، كأفكار يخوف بها المجتمع ويخوّف بها الناس»، نفس الفكرة رددها (كارل ماركس) في القرن التاسع عشر حين قال: «الأديان والآلهة كلها ابتداع بشري لضبط المجتمعات، لأجل الأمبراطور، ولأجل الإقطاعي، ولأجل الكنيسة ورجل الدين والرجال الأغنياء يتحكمون في الرعية وفي الضعفاء والمساكين».

     كما ذهب الفيلسوف (هيراقليطس) إلى أن الجوهر الأول «الذي نشأ منه الكون، إنما هو النار»، بعيدًا عن فكرة الآلهة. وفي القرن الثالث قبل الميلاد أقرّ فيلسوفان مشهوران أيضًا بأنهما لا يؤمنان بوجود الآلهة (ستراتو) والفيلسوف (تيودوروس). وفي عام (262ق.م) في القرن الثالث أعرب الشاعر الملحمي (هوميروس) عن رأيه «بأن الآلهة ما هي إلاّ حكام تم تأليههم».

   وفي القرن الثالث قبل الميلاد أيضًا أتهم الفيلسوف (أبيقور) بأنه ملحد، والآن كثير من الملاحدة يحتجون بـ(أبيقور) على أنه ملحد وعنده حجج، وهو من أحسن من صاغ حجة الشر حين قال: «كيف أؤمن بالله العلي العظيم الحكيم القدير الخيّر، المحب للخلق وأنا أرى في العالم كل هذه المعاناة، وكل التطاحن وكل الشرور والآلام والعذابات والمرائر؟ أنتم تزعمون أن الإله موجود وأنه كلي العلم، وأنه كلي القدرة، وأنه خيّر. إما أن هذا الرب يريد أن يغير هذه الأشياء ولا يقدر على ذلك، فهو عاجز وليس برب، وإما أنه يريد أن يغير وقادر على أنه يغير، ولكنه لا يفعل فهذا عبثي أو شرير حقود! أو إما أنه يريد ويقدر ولكنه لم يقع هذا الشيء لم يغير، معناه أنه غير موجود».

   كما أن نشأة الإلحاد في التاريخ الإسلامي ليست ببعيدة، فكان هناك ملاحدة أمثال (محمد بن زكريا الرازي وابن الراوندي وأبو العلاء المعرّي) فالطبيب الرازي مثلًا طعن في النبوات قائلًا: «هذا النبي إذا بعثه الله سيبعثه بأوامر ونواه وتشريعات. هل العقل يستطيع أن يعرف وأن يُبرر ما أتى النبي منها أو لا يستطيع؟ فإن قلنا العقل يستطيع فلا حاجة لنا بها، وإذا كان العقل لا يستطيع فهي غير معقولة، كيف يكلّف بها العاقل فسأردها أيضًا».

   وفي أوربا عام (1789م) اشتعلت الثورة الفرنسية تحت عنوان (حرية- إخاء- مساواة)، هذه الثورة كانت ثورة على الدين وعلى الكنيسة وعلى المؤسسات الدينية وعلى القداسة والقديسيين، كما كانت ثورة على الحكم الديني. حيث أعلن القائد الثوري الكبير (إيبير): «عن عبادة العقل وتوّج آلهة العقل في مذبح (كاتدرائية نوتردام) في مكان الإله يسوع المصلوب، وألغى القداس وأعطى الإذن بنهب الكنائيس».

   ومن الملحدين أيضًا (لابلاس) كان يقول: «لو استطعنا أن نعرف كل المعلومات المتعلقة (نفترض الكون في لحظته الأولى) فإننا نستطيع أن نعرف أي شيء عن أي شيء إلى نهاية الأمر». أي يعني: أن المسألة محسوبة كلها وتعمل بآلية منضبطة ودقيقة، لا حاجة إلى الإله لا مبتدءًا ولا توسطًا ولا انتهاءً.

     الفيلسوف الوجودي (جان بول سارتر)، كان يقول: «أنا أنكر وجود الله هكذا بالمطلق، لكن قولي هو أن الله في يوم من الأيام كان موجودًا، وكان ينطق وكان يتصل بالإنسان ثم صمت بالكامل لم يعد يسمع له صوت، أين هذا الإله لقد فقدناه لسنا بحاجة إليه وسنعيش بدونه ونحن أفضل بدونه، لأن المسؤلية ستلقي على عاتقنا بالكامل، نحن لسنا ذلكم الطفل الذي يعيش في رعاية أبيه أو أبويه بل على العكس نحن أطفال بلا آباء. الآن وسوف نجابه المسؤلية بحس المسؤلية الكاملة». ويتابع (سارتر) مقتبسًا من «مونتيسكيو» بالقول: «يبدو أن في ذهن الإنسان ثقبًا يمكن أن تدعوه ثقب الله، هذا الثقب هو الذي حمل الإنسان عبر العصور على أن يتشبت بمفهوم الله ووجود الله، من أجل أن يضفي المعنى على عالم ووجود لا معنى له».

    أما النسخة الأكثر حداثة من الإلحاد فنراه عند (جون ديوي) الفيلسوف الأمريكي حين يقول: «الطبيعة كافية تفسر نفسها لا تحتاج إلى أي مبدأ آخر مفارق لها على الإطلاق، وافتراض أي مبدأ هو اغتيال الإنسان واغتيال لقدرات الإنسان وتعليم الإنسان الكسل وتغريب له عن نفسه»، وتابع (ديوي) القول: «الإيمان بآلهة أو إله معناه أن هذا الإنسان يحمّل هذه الآلهة معظم الأعباء، ويجلس هو بلا مسؤلية لأني ضد الآلهة».

   ونختم هذه المقالة بالقول: بأن ظاهرة الإلحاد تعد من أخطر الظواهر في تطور الحياة الروحية، وهي أيضًا ظاهرة ضرورية النشأة في كل الحضارات خاصة عندما تكون في دور المدنية. ويختلف ظاهرة الإلحاد وفقًا لروح الحضارة التي انبثقت فيها.

   وإذا كان الإلحاد الغربي بنزعة الديناميكية هو ذلك الذي عبر الفيلسوف الألماني (نيتشه) حين قال: «لقد مات الله». وإذا كان الإلحاد اليوناني على لسان فلاسفة اليونان هو الذي يقول: «إن الآلهة المقيمين في المكان المقدس قد ماتت»، فإن الإلحاد في العالم الإسلامي هو الذي يقول: «لقد ماتت فكرة النبوة والأنبياء».