في محاولةٍ من نظام مبارك لتهدئة الأوضاع، عُيّن عُمر سليمان (1936-2012) نائبًا للرئيس، الأمر الذي رفض مبارك حدوثه طوال عقود حكمهِ. وقد قام سليمان بمجرّد توليه المنصب بالدعوة إلى حوارٍ فوريّ مع جميع القوى السياسية للنقاش في شأن المشكلات التي تتعلّق بالإصلاح السياسيّ والديمقراطيّ.[1] وهي الدعوة التي لبّاها 21 حزبًا سياسيًا،[2] إضافةً إلى لجنة الحُكماء التي ضمّت مجموعة من المثقفين والسياسيين والأكاديميين، والتي حددت مطالبها في إنهاء حالة الطوارئ، وتعديل الدستور، وتكليف النائب الجديد بإدارة المرحلة الانتقالية.[3] وهي المطالب التي تختلف اختلافًا جذريًا عن مطالب الميدان، ورغبات الثوّار الحقيقيين الذين يقودون عملية التحرر والتغيير في الشارع. يُعلّق بشارة عن هذه اللجنة قائلًا: «لم تكن هذه اللجنة تعبيرًا عن قوّة معارضةٍ، بل عن موظّفين سابقين، ومثقفين غير حزبيين، أبدى بعضهم استعدادًا للقيام بأيّ دورٍ تنفيذيّ حين عُرض عليه، بغض النظر عن طبيعة النظام وجرائمه».[4]

في مقابل لجنة الحكماء، كان ثمّة نخبةٍ أخرى ممثّلة بأعضاء الائتلاف الشعبي للتغيير ومكوّنة من الأحزاب السياسيّة التقليديّة تحاول استجماع قوتها لتكوين معارضة، وقد قبل أعضاء هذا الائتلاف أيضًا بالحوار مع النظام الذي يدعو الشارع إلى إسقاطهِ بدعوى الحفاظ على أمن الوطن وسلامته واستقرارهِ. وهي في ظننا دعوة صريحة إلى مبدأ اللاعنف تأتي من الاعتقاد بأن عملية التغيير والتحوّل الديمقراطي يمكن أن تتم عبر الحوار الوطني، بالرغم من أن هذه الدعوة لم تكن لتنطلق لولا استخدام الشارع للعنف من أجل التحوّل الديمقراطي. لقد غاب عن هذه الفئة –في رأينا- أن أركان النظام الذي يدعو إلى الحوار بعد أن هوجم عنفه الممنهج بعنفٍ أشدّ؛ قد تأسس في الأصل على العنف القهريّ والاعتقالات والتعذيب من أجل ترسيخ دعائمه ومصالحه المشتركة بين أفراد طبقته البرجوازيّة وأن إزالتهُ لا تتم إلا باستخدام عنفٍ ثوري مضاد؛ بلغة فرانتز فانون (Frantz Fanon (1925-1961.

إضافةً إلى هذا؛ يرى بشارة كذلك أن الدخول في هذا الحوار –الذي يرفضه الشارع ويبتعد عن رغبات الميدان- أتى تعبيرًا عن رغبة هذه النخب السياسيّة والثقافيّة في حجز مقاعدٍ لها في النظام السياسيّ الجديد، إذ تكوّنت –بعض هذه النخب- من التكنوقراط غير المُسيّس الذي يريد أن يختصر الطريق إلى الزعامة من دون عملٍ سياسيّ.[5]

يبدو لنا من الطرح السابق أن دور بعض هذه النخب السياسيّة والثقافيّة مثّل التفافًا حول مطالب الشارع واستغلالًا لحركة الشعب والثوار من أجل تحقيق مصلحة فرديّة خاصّة بهم، وأن دورهم كان يسعى لتحقيق ارتباط أوثق وأعمق بالطبقة الحاكمة البرجوازيّة، وإيمانًا بها وبدورها، وانطلاقًا من فرضيّاتها بأنها من تحقق سلامة وأمن الوطن، وإيمانًا بها. فالدعوة إلى اللاعنف عبر تبرير الحفاظ على أمن الوطن وسلامته هي دعوةً مختلّة تأتي بوصفها غطاءً لحقيقة سلوك المثقف في بحثّه عن مصلحتهِ الفرديّة، ولا تنطلق من رؤيةٍ معرفيّةٍ تاريخيّةٍ لأهمية لحظة الثورة في تغيير النظام القمعيّ الذي أضرّ بالوطن وسلامته على مدار عقودٍ طويلة. وبدلاً من هذا؛ تنطلق دعوة المثقف لنبذ العنف الذي يمارسه الثوّار في الشارع من أجل التغيير، من رؤيةٍ آنيةٍ تكشف حقيقة الدور البرجماتيّ الذي يقوم بهِ المثقف في خيانةٍ صريحةٍ وواضحة للوطن، ولمعركة التغيير التي يقودها الشباب.

في دور النخب الثقافية والأحزاب خلال الثورة.

لم يُمثِّل دور المثقف خلال الثورة إذن فهمًا ثوريًا لأهمية لحظة التغيير التي قادها الشباب ضد النظام الحاكم. فغياب قدرة المثقّف على التنبؤ بلحظة الثورة، ثم عدم إيمانه بها في أيامها الأولى؛ الأمر الذي تمثّل في انفصال الشباب عن قياداتهِ الحزبية، ثم حركته بعد ذلك في سبيل مصلحته والبحث عن رابطٍ سريعٍ يربطه بالطبقة البرجوازيّة الحاكمة، بل ورغبة بعضهم في إنهاء الحالة الثوريةّ اعتمادًا على بعض وعود النظام القديم،[6] وقبول فريق كبير (حملة دعم البرادعي) بذات النظام متمثّلا في نائب الرئيس لإدارة المرحلة الانتقاليّة إلى الحالة الديمقراطيّة، كل هذه الأمور تعبّر أكثر عن دورٍ سياسيّ تحايليّ -للمثقف والأحزاب السياسيّة – على الثورة والثوّار والنظام القديم للحظوة ببعض المزايا الخاصّة التي تقرّبه أكثر وتدمجه مع النظام الحاكم وطبقته البرجوازيّة.

لم تر النخب الثقافية والأحزاب إذن نفسها بديلًا طبيعيًّا وموضوعيًّا للنظام الاستبدادي، بل كان طموحها الأكبر هو أن تلتحم معه وتدخل في حوارٍ يحقق لها بعض المكاسب المؤقتّة؛ مؤمنةً بذات الشعارات التي أطلقها النظام الحاكم لنبذ العنف والحفاظ على الأمن والاستقرار وعدم تعطيل حركة المرور والجهات والمصالح الحكوميّة، دون أن تُفعِّل فهمًا نقديًا يكشف أكاذيب هذه الدعاوى، أو دون ألا تعتبر لها من الأساس كما فعل الثوّار في الميدان.

في مقابل هذا مثّل موقف الثوّار في الميدان والشوارع فهمًا مختلفًا تمامًا لحقيقة معركة التغيير. إذ نبذ الحوار مع النظام منذ اللحظة الأولى، وواجه عنفه المادي بعنفٍ ماديّ تمثل في المواجهات العنيفة في الشارع والتي انتهت بإخضاع الأمن وطرده خارج الصورة، وواجه كذلك عنف النظام السياسيّ بعنفٍ سياسيّ مُضاد تمثّل في الإصرار على التظاهر والاعتصام وتوقيف الحياة الطبيعية باعتبارها أدوات ضغطٍ سياسيّة لتحقيق مطالب الميدان ورحيل النظام، وإحلال الثوّار محلّه.

اختلاف موقف الشارع إذن عن موقف المثقف خلال الثورة، لا ينطلق من الدور التاريخيّ للمثقف التقليديّ الذي نظّرت له أدبيات المثقف؛ من حيث هو صاحب الموقف المعتمد على رؤية وتحليل معرفيّ في القضايا العامّة، والمنحاز بطبيعة الأمر إلى المهمّشين ومن لا صوت لهم. وإنما انطلقت –بشكلٍ أكبر- من فهمٍ برجماتيّ لعملية التحوّل الديمقراطي أدّى إلى تحريكها في سبيل مصلحتهِ الخاصّة وليس المصلحة العامّة، ومثّل التفافًا على الموقف الثوري، ساعد بشكلٍ جوهريّ في النهاية إلى انتهاء الحالة الثوريّة قبل نضجها وتحقيقها لأهدافها.

هذا الدور الفعليّ للمثقف أثناء الثورة المصريّة يتماس بشكلٍ أكبر مع دور المثقّف المستعمَر الذي طرحه فرانتز فانون في كتابهِ معذبو الأرض، الذي كتبهِ باعتباره وصيةً أخيرةً قبل رحيلهِ مباشرةً عام 1961. وهو الكتاب الذي مثّل بلورةً أخيرة لرؤيته للنظم الاستعماريّة اعتمادًا على تجربتهِ الواسعة في النضال من أجل التحرر من الاستعمار خلال ثورة التحرير الجزائرية (1954-1962) ضد الاستعمار الفرنسي (1830-1962). فجاءت نظريته نتاجِ تكاملٍ بين دوره الثوري والتنظيميّ؛ وبين دوره الفكري الملهم لثورة التحرير. في نفس الوقت ألهمت كثيرًا من الثوّار والكتّاب الثوريين، وكشفت العديد من الأوضاع العربية -إبان الاستعمار- في تركيبتها الداخلية، وفي علاقتها مع الآخر المستعمِر.

في مفهوم المثقف المستعمَر؛ بين فانون وسياق الثورة المصرية

ينشأ المثقف المستعمَر عند فانون مرتبطًا بشكلٍ أكبر بالطبقة الاستعمارية في وطنهِ، فيكون بهذا أكثر إيمانًا بالقيم الاستعماريّة التي تقسِّم العالم الاستعماري إلى جانبين؛ جانبٍ مستعمِر تسود فيه الرفاهية وتنتشر بهِ الخدمات والمرافق العامّة، وجانبٍ مستعمَر يرزح تحت العوز والحاجةِ ويسوده الفقر والجهل والمرض.[7] وارتباط المثقف بالجانبِ المستعمِر ونشأتهُ تحت إهابهِ؛ يُبعده بالتبعيّة عن عموم الشعب والمجتمع الذي يشعر بالحقد والحسد والغضب من المستعمِر الذي تسبب في معاناتهِ الماديّة والنفسيّة.

ويفصل بين الجانبين؛ المستعمِر والمستعمَر خط فاصلٍ لا يمكن تجاوزه، ويمثّله الجهاز العسكريّ الذي يقوم على تأمين المستعمِر وتوجيه المستعمَر شرعيًا وقيميًّا نحو القبول والإذعان بالمستعمِر والخضوع له.

لا يبدأ الاستعمار باتفاقٍ مسبق بين المستعمِر والمستعمَر على الاحتلال والاستغلال أو على استعداد المستعمَر أن يتم تطويره وتحديثهُ على يد المستعمِر كما يبرر الاستعمار دائمًا وجوده في البلد المستعمَرة؛ وإنما يبدأ الاستعمار دائمًا باستخدام العنف والقوّة التي تُخضع الأنا الجماعيّة والوجود الذاتي للسكّان الأصليين في المجتمع، والتي تضرب السلام الداخلي لأفراد المجتمع. فالعالم المستعمَر عند فانون هو عالمٌ غير طبيعيّ، وهو ليس نتاجٍ مراحلٍ من التطوّر السلميّ، وإنما هو عالمٌ تفشّى فيه العنف الذي عمل على تغيير بنية المجتمع وزعزعة ثوابتهُ، وتقسيمه إلى جانبين متصارعين على الوجود، وليس مكمِّلان لبعضهما البعض، وإنما يسعى كل جانبٍ إلى الحلول محل الجانب الآخر وتدميره.[8] وهو الأمر الذي يمكن قراءته منذ بداية تكوّن جمهوريّة يوليو 1952، إذ انقضّ مجلس قيادة الثورة بزعامة جمال عبد الناصر (1918-1970) على الرئيس المنتخب محمد نجيب (1901-1984) الذي كان يسعى إلى تسليم السلطة إلى الشعب وإرجاع الجيش إلى ثكناتهِ؛ برغم ثورة الشارع ضد إبعاد نجيب واستلام الجيش للسلطة.[9] وهي المرحلة التي شهدت الاستخدام العنيف للقوة العسكريّة والسياسيّة في تطويع جموع الشعب المصري عبر الاعتقالات والتعذيب لكل معارضٍ مهما صغرت معارضته.[10] وهو استخدامٌ واضحٌ للعنف الذي سعى إلى إخضاع وقهر إرادة المواطن وفرض نظام استبدادي عليه.

تذكر بسمة عبد العزيز في دراسة مهمّة لها عن إغراء السلطة المطلقة؛ التحوّل الواضح في هيكليّة جهاز الشرطة بعد الاستقلال. فقد تم إلغاء جهاز البوليس السياسي الذي اختصّ –خلال سنوات الاحتلال- بمتابعة المعارضين السياسيين،[11] وهو ما قد يعني تغيّرًا جذريًا في بنية الجهاز العسكريّ الأساسيّ الذي كان يُمثّل خطًا عنيفًا فاصلا بين المستعمِر والمواطنين أثناء الاستعمار. غير أن النظام الناصريّ لم يلبث أن أنشأ جهازين للقيام بمهمّة البوليس السياسيّ هما؛ المباحث العامّة، ومباحث أمن الدولة، لتستمر ممارسة القمع السياسي للمعارضين، لتدعيم النظام وحمايته.

مرّت علاقة الشرطة بالمواطن –كما تُحلل عبد العزيز- بمراحلٍ أربعةٍ رئيسة، المرحلة الأولى خلال حكم عبد الناصر عكست علاقة سويّة بين المواطن غير المسيّس والشرطة، بينما شهدت عنفًا واسعًا عبر عمليات الاعتقالات والتعذيب ضد كل معارض سياسيّ. في المرحلة الثانية –خلال السبعينيات- تحوّل العنف الموجّه ناحية المعارض ليشمل –في بعض الحالات- المواطن غير المسيّس، وفي المرحلة الثالثة تتوتّر العلاقة تمامًا بين المواطن –في عمومهِ- وبين الشرطة، فتتحوّل إلى علاقةٍ مختلّة، أصبحت فيها الشرطة في خدمة الدولة لا المواطن، وفي المرحلة الرابعة –التي شهدها العقد الأول من الألفية الثالثة- تطوّر العنف على المستوى الكمّي والكيفيّ لتتحوّل العلاقة إلى ثنائيّة السيّد والعبد، ويظهر عنفًا جديدًا هو العنف الظرفي العشوائي الذي ينتج وليدًا للحظة بشكلٍ عشوائيّ.[12] وهو ما قد يعكس التفاعل وفقًا لنموذج فكريّ ضمنيّ استعماري يعمل على تحقير المواطن وتهوين أمره، في مقابل تعظيم قدر رجل الشرطة باعتباره المدافع عن مُلّاكها. إننا نلاحظ هنا أن التطورات التي شهدتها علاقة الشرطة بالمواطن بعد الاستعمار تعكس استمرارًا لكون الجهاز العسكري هو أداة السلطة في السيطرة على معارضيها. ولاستمرار أدائه لدور الخط الفاصل العنيف بين الطبقة الحاكمة والطبقة المحكومة، وهو ما يُمثّل استمرار النموذج العسكري وفقًا لفانون.

(يتبع)


[1] عزمي بشارة، المرجع السابق، صـ470.

[2] عزمي بشارة، المرجع السابق، صـ491.

[3] عزمي بشارة، المرجع السابق، صـ493.

[4] عزمي بشارة، المرجع السابق.

[5] عزمي بشارة، المرجع السابق، صـ495.

[6] عزمي بشارة، المرجع السابق.

[7] فرانتز فانون، معذَّبو الأرض، تر: سامي الدروبي وآخرون، دار الطليعة، صـ20.

[8] فرانتز فانون، المرجع السابق، صـ23.

[9] محمد نجيب، «الفصل العاشر: الإستقالة أو الإقامة» في: مُذكرات محمد نجيب كنتُ رئيسًا لمصر، ط2، (القاهرة، المكتب المصري الحديث،1984).

[10] للمراجعة في قضيّة اعتقالات وتعذيب النظام لكل معارض يمكن الرجوع إلى المذكرات العديدة التي كتبها المعتقلون الذين خرجوا بعد موت عبد الناصر، على سبيل المثال: مُصطفى أمين، سنة أولى سجن، (القاهرة، دار أخبار اليوم، ب.ت)؛ محمود السعدني، الولد الشقي في السجن، (القاهرة، دار أخبار اليوم، ب.ت).

[11] بسمة عبد العزيز، إغراء السلطة المطلقة، (القاهرة، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، 2012)، صـ41.

[12] بسمة عبد العزيز، المرجع السابق، صـ40-72.