صعب حالياً بناء جسم مدني في لبنان يقاتل لترسيخ مفهوم الحقوق المدنية على حساب الحقوق المذهبية. صعبٌ لكنه ليس مستحيلاً. كل ما في لبنان يشير إلى لحظات ماقبل انهيارٍ ما. وقد تطول هذه اللحظات، لكن الانهيار آتٍ في نهاية المطاف.

كيف يُمكن قياس حجم الطوائف أو نفوذها في لبنان، في غياب دولةٍ مدنيةٍ تستوعب الجميع في إطار الكفاءة، لا في سياق المحاصصات الطوائفية والمذهبية؟ تُقاس بحجم الاهتمامات المحلية والخارجية. فكلما كان اهتمامك واسعاً إلى مدى أبعد من لبنان، كرّست تفوّقك فيه، وكلما كان اهتمامك ضيّقاً، رسّخت هزيمة ما فيه. قد تكون “الوطنية” حاجةً ملحّة في لبنان. لكن، مع عدم تكريس دور للمفهوم المدني في بنية النظام، تبقى “الوطنية” أمراً ثانوياً، تتقدّم وتتراجع بحسب تقاطع مصالح الطائفة، صاحبة الأولوية في هذا الصدد، مع مصلحة “الوطن”. تماماً كما حصل سابقاً مع المارونية السياسية، ثم السنيّة السياسية، وحالياً الشيعية السياسية.
مثال على ذلك، إن حزب الله يرسم حدود الشيعية السياسية بين اليمن والعراق وسورية ولبنان، وتيار المستقبل يربط نفسه بأجنحة السنيّة السياسية بين الخليج ومصر، بينما تبدو المسيحية السياسية في قلب معركتها الخاصة: حرب على صورة تعلّق أو لا تُعلّق لرئيس الجمهورية، أو صراع “هرمجدوني” على مقعد نيابي في قضاءٍ مسيحي صغير.
بالطبع، مثل تلك المقارنات، معطوفة على حجم التأثير الطوائفي في النظام اللبناني، والثقل الديمغرافي والاقتصادي لكل طائفة، يؤدي، بطبيعة الحال، إلى إفراز رابح وخاسر في النظام. هذه قوانين الطبيعة. فالاختباء خلف شعارات ماضية أو أوهام مستقبلية، غرضها تأمين منفعة مصلحية وآنية، للاعتقاد الضمني بأن لا شيء سيتغير، طالما أن ثلاثية “السلاح والمال والإعلام” بيد فريق محدّد، يمثل أكثرية مذهبيةً محدّدة، لا بيد النظام.
وإذا كانت الشيعية السياسية راضيةً عن تقدّمها في غضون بضعة عقود، من طرفٍ كان مهمّشاً بأكثريته في النظام اللبناني، وفي العقلية المجتمعية اللبنانية، إلى صاحبة الكلمة الأولى فيه، وإذا كانت السنيّة السياسية وجدت نفسها “وصيفاً دائماً” في “دوري الطوائف اللبنانية” على الرغم من استعدادها وفقاً لخريطة القوى الإقليمية المتحرّكة، للعودة إلى الواجهة في أي لحظة، فإن تراجع المسيحية السياسية بات، في محطاته الأخيرة، تاريخياً، ولا يُمكن تغييره أو تعديل مساره. لكن المشكلة أن مكوّنات المسيحية السياسية، إما غير واعية لهذا الأمر أو تتجاهله في سياق سياسة انفصامية لا تعترف بالوقائع، أو تعمل على استغلاله في حدود مصالح “الشخص لا الجماعة”. وهنا، تبدو كل الخيارات سيئة، طالما أن الذهنية المتحكّمة بوعي المسيحية السياسية مرتبطة بعدم القدرة على التفكير بخطواتٍ “غير شعبية”، تخرج من إطار العقل الأقلوي إلى العقل المدني الذي وحده قادر على حماية “الشعوب اللبنانية” من أي حربٍ أو مواجهةٍ مستقبلية لأسباب طائفية.
صحيح أن الواقع شيء والأفكار شيء آخر. في الواقع، صعب حالياً بناء جسم مدني يقاتل لترسيخ مفهوم الحقوق المدنية على حساب الحقوق المذهبية. صعبٌ لكنه ليس مستحيلاً. كل ما في لبنان يشير إلى لحظات ما قبل انهيارٍ ما. وقد تطول هذه اللحظات، لكن الانهيار آتٍ في نهاية المطاف. ربما بات لزاماً علينا الاستعداد لمرحلة ما بعد الانهيار، أو رسم خطةٍ تكون جاهزة “لبناء الدولة” فور حصول الانهيار، ذلك لأن الترقيع المستمرّ منذ اتفاق الطائف (1989) ثم الدوحة (2008)، أضحى أضعف من القدرة على تغطية الخروق في جسم النظام. قد يحصل، بعد الانهيار، أن يتمّ عقد مؤتمر تأسيسي أو جمعية وطنية أو شيء “لبنانوي”، لكن الفكرة أنه، في مثل تلك اللحظات، يجب على خطط “مدنية الدولة” أن تُطبّق، وإطلاق يد الكفاءات على حساب الطوائف، وإلا سنبقى في حالة فناء ذاتي مستمرّ، حتى لا يبقى إنسان على هذه الأرض. ليس خيار “مدنية الدولة” أمراً “شيطانياً”، بل خطوة أساسية لتأمين حقوق الأفراد في حدودها القصوى، على حساب مصالح الطوائف والأحزاب. أهم ما في “الدولة المدنية” أنها ستُدشّن الحرب على الفساد في جمهوريةٍ عصيّةٍ على الإصلاح.