سقط الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في فخ الرئيس الكوري الشمالي، كيم يونغ أون، الذي اعتاد على لغة الوعيد من دون تجسيدها في الواقع، فاعتاد جيرانه وحليفهم الأميركي على خطابه الرنان، بصرف النظر عن تخوفهم من تنامي قدراته العسكرية، التقليدية والنووية.

يؤكد تعاطي الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مع الأزمة المتنامية في أقصى شرق آسيا، اندفاعه وجنوحه نحو التعليق الفوري الساخن والانفعالي حول الأحداث، من دون تريث، ما يذكّر بافتقاره الخبرة السياسية اللازمة. فكان أن سقط في فخ الرئيس الكوري الشمالي، كيم يونغ أون، الذي اعتاد على لغة الوعيد من دون تجسيدها في الواقع، فاعتاد بذلك جيرانه وحليفهم الأميركي على خطابه الرنان، بصرف النظر عن تخوفهم من تنامي قدراته العسكرية، التقليدية والنووية.
المشكلة أن ترامب تبنّى الخطاب التهديدي لأون، لكن الفرق أن الأخير يتزعم دولة مغلوب على أمرها، يعاني شعبها المجاعة والقمع، على الرغم من ترسانتها العسكرية، وهي معزولة عالمياً، بينما يتزعم الأول القوة الأولى في العالم، والتي يجب أن تكون كلمتها رصينةً، وتهديداتها قابلة للتجسيد على أرض الواقع، وإلا تفقد مصداقيتها. لأن الردع، نفسياً وعسكرياً، يقوم بالأساس على القدرة على تنفيذه عملياً، وإلا فلا معنى له. وبتهديده كوريا الشمالية بالشكل الذي فعله يوم الأربعاء، وبطريقة عفوية، يضع ترامب بلاده، القوة الأولى في العالم، في مأزق، لأنه عملياً لا يمكنه تنفيذ تلك التهديدات، أي ضرب كوريا الشمالية. وهنا الفرق الشاسع بين وقت “تويتر” الفوري والعفوي، بل الانفعالي من جهة، ووقت السياسة الذي يقتضي التريث والحكمة وفحص الأمور بتأنٍّ ورزانةٍ، ودراسة كل البدائل (بمحاسنها ومساوئها) ومدى إمكانية تطبيق الأنسب منها، مع الأخذ بالاعتبار بالسياقين، الإقليمي والدولي. لكن هذا النهج السياسي الذي اعتاد عليه صناع القرار ومتّخذوه في الولايات المتحدة لا يفهمه ترامب الذي هو محل انتقاداتٍ من الديمقراطيين والجمهوريين، على حد سواء، بسبب وضعه هيبة أميركا على المحكّ، بتفوهه بتهديداتٍ هو غير قادر على تنفيذها.
يمكن القول إن ترامب رسب في أول امتحان كوري شمالي حقيقي، فعوض الاكتفاء بالتأكيد
“مستبعد جداً أن تُقبل كوريا الشمالية على مغامرة عسكرية ضد أهداف أميركية”

 على عزم أميركا حماية حلفائها والدفاع عن مصالحها وأمنها، سقط في فخ مجاراة الخطاب التهديدي لأون، ومن ثم مجاراته في التهور السياسي. قد يرى ترامب، في تهديداته، خير رد على التصعيد العسكري والخطابي لكوريا الشمالية التي تواصل تجارب إطلاق صواريخ نوعية، كان آخرها إطلاق صاروخ طويل المدى، أي عابر للقارات، بإمكانه الوصول إلى التراب (القاري) للولايات المتحدة، ناهيك عن جزرها في المحيط الهادئ، وتهديداتها بضرب التراب الأميركي، وتحديداً جزيرة غوام في الهادئ. لكن، كلما قلت احتمالات تحويل التهديدات إلى أفعال أضعفت هيبة من يطلقها.
ليست المشكلة الأساسية في التعامل مع كوريا الشمالية في القوة، فللولايات المتحدة من القوة النارية ما يكفي لتدمير عشرات الدول من حجم كوريا الشمالية، وإنما في عاملين أساسيين، هما النووي والجغرافي. يشكل النووي معضلة حقيقية، لأن أي ضربة أميركية، ولو تقليدية، سترد عليها كوريا الشمالية، ذات القيادة المتهوّرة والمفتقرة على ما يبدو للعقلانية النووية (أهمية هذا السلاح في عدم استخدامه) ما يجعل الصراع، في نهاية المطاف، نووياً. وهو أمر يرعب جيران كوريا الشمالية، خصوصاً كوريا الجنوبية واليابان. وبهذا الخصوص، توجد الولايات المتحدة أمام معضلة: البلدان الأخيران يمانعان ويرغبان في الوقت نفسه. فهما يريدان أن توقف أميركا كوريا الشمالية عند حدّها، حتى تتوقف عن تهديداتها لجيرانها، لكنهما يتخوفان من أي مواجهةٍ عسكرية بينهما، لأن ترابهما سيكون مسرح هذه المواجهة. لذا، تراهما يدفعان أميركا نحو التشدّد في تعاملها مع كوريا الشمالية. وفي الآن نفسه، يعملان عملياً على كبح جماحها، تجنباً لأي مواجهةٍ عسكرية وخيمة العواقب.
يزداد العامل النووي تعقيداً إذا حللناه في إطاره الجغرافي، آخذين بالحسبان البعد الجيوسياسي. وهذه ورقة رابحة لكوريا الشمالية، تفسر جزئياً سياستها وتوجهاتها العسكرية. ويتمثل هذا البعد في أنها جارة لقوتين نوويتين، الصين وروسيا. فنظراً لاعتبارات إستراتيجية عالمية، ولعلاقاتها مع القوتين، تعي الولايات المتحدة أن أية ضربة عسكرية تقليدية، ناهيك عن النووية، ضد كوريا الشمالية، بديل غير واقعي على الأقل في الراهن. فلا روسيا ولا الصين تقبلان بعمل عسكري أميركي على حدودهما. ومن هذا المنظور، يمكن القول إن القوتين تمثلان درعاً واقياً لكوريا الشمالية، ليس بالضرورة مقصوداً، لأن الاعتبارات الإستراتيجية العالمية، وأمنهما القومي، يجعلان منهما كابحاً لأي تحرك أميركي على حدودهما. والواضح أن كوريا الشمالية توظف هذه الاعتبارات. لذا، تراها تزايد في تهوّرها وتهديداتها كوريا الجنوبية واليابان وأميركا.
إذا كانت هناك أزمة في العالم تقتضي توافقاً ثلاثياً بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، فهي بالتأكيد الأزمة الكورية الشمالية، بسبب تداخل العاملين النووي والجواري (مع الصين

“يزداد العامل النووي تعقيداً إذا حللناه في إطاره الجغرافي، آخذين بالحسبان البعد الجيوسياسي”

 وروسيا)، مع العلم أن حدود كوريا الشمالية مع الصين هي نافذتها الحقيقية على العالم. في الراهن مثل هذا التوافق الثلاثي مستبعد لعدة أسباب، منها وجود خلافات كثيرة بين القوى الثلاث حول بعض القضايا/ الأزمات (بحر الصين، أمن جنوب شرق آسيا، أوكرانيا…)، وكذلك تناقض مدركاتها للتهديد. فروسيا والصين لا تعتبران كوريا الشمالية دولةً معادية لهما، ولا تريان في تسلحها خطراً على أمنهما القومي. هذا يعني أنهما تستبعدان تماماً احتمال استخدام كوريا الشمالية سلاحها ضدهما. لذا، لا تضغطان عليها للعدول عن تسلحها التقليدي والنووي. بينما تعتبرها أميركا وحلفاؤها تهديداً لأمنهم القومي، ثم إن روسيا والصين تعملان، بشكل أو بآخر، لتبقى كوريا الشمالية كأنها خنجر في خاصرة الولايات المتحدة وحلفائها. بالطبع، يبرّر الوجود الأميركي في المنطقة أيضاً بهذه الأزمة، وهو وجود تنظر إليه الصين وروسيا بريبة، لكنه وجود عسكري يستنزف، مع مرور الزمن، القوات الأميركية ويجعلها ترابط في مناطق متوترة، لكن احتمالات تحولها إلى مواجهة ساخنة ضعيفة…
على أساس ما تقدّم، مستبعد جداً أن تُقبل كوريا الشمالية على مغامرة عسكرية ضد أهداف أميركية من دون الضوء الأخضر من روسيا والصين. وبما أن من غير المرجح تماماً أن تمنحانها مثل هذا الضوء الأخضر، فإن شبه الجزيرة الكورية محكوم عليها بإدارة التوتر، وليس الحسم العسكري.