منذ 2 دقيقتين، 28 يناير,2016

طوال حياتي كنت أعلم أن للجمال هيبة وطلة فائقة، وأن الجمال يستطيع أن يفتح لصاحبه كثيرًا من الأبواب المغلقة حقـًّا، ومتأكدة أن مظهر الإنسان يمكن أن يكون من أهم أسباب نجاحه حتى لو كانت مؤهلاته متواضعة، وعلى النقيض ‏تمامًا أن الشخص الذي لا يتمتع بالجمال الشكلي قد يكون ذلك عائقـًا كبيرًا في ‏طريقه، فللأسف قد تجد شخصًا يتمتع بالذكاء والثقافة والعلم والمعرفة والأخلاق ‏التي تزين ذلك كله، ولكنه يفتقر للمظهر الجميل أو الجذاب أو لعل الله لم يوهبه ‏الجمال الخارجي فتجد أنه وللوهلة الأولى لا يلاقى الترحيب ممن حوله، ولعل ذلك ‏السلوك يستمر حتى يعرفه الناس ‎جيدًا أو يستمر‎ للأبد ولا تجد من يهتم بصفاته ‎التي يتمتع بها‎.

وعلى الجانب الآخر تجد شخصًا قد يكون سطحي التفكير وتافه ‏الشخصية وأناني وغير إنساني  ولا يدرى شيئًا عن شيء، ولكنه ذو جمال وجاذبية‎ ‎فتجد أنه محط اهتمام ‎الجميع، الكل يتحدث ‎عنه، الكل‏ ‏يطلب‎ وده، والكل يرحب بوجوده، ‏رغم قصوره الفكري والشخصي، وللأسف الشديد هذا هو حالنا، وهذا هو سبب بلائنا ‏حكمنا على الظاهر فقط، جميعنا كذلك ولا أستثني أحدًا حتى نفسي، جميعنا ننبهر ‏بالمظهر وننسى الجوهر، لن أنسى الجملة التي أطلقتها نساء مصر تغزلاً في ذلك ‏المحافظ الوسيم الذي سلب ألبابهن ولا أدري لماذا حقًّا؟

ولن أنسى كم امرأة وكم ‏فتاه وضعت صورته كواجهة لصفحتها الإلكترونية لتثبت إعجابها به، ولم تلتفت أين ‏منهن لهذا المحافظ وما تسبب به من خسائر فادحة ولم تلتفت إحداهن لمدى فشله ‏في مسؤوليته تجاه وظيفته، وأيضًا ما حدث منذ ساعات واشتعال صفحات التواصل ‎الاجتماعي منذ‏ أمس على النائبة الشابة وكيف هي بهذا الجمال؟ وكيف هي بهذه‎ ‎الرقة؟ وكلام من هذا القبيل وأصبح مؤشر جوجل‏ في مصر فقط يتحرك للبحث عن ‏معلومات عن هذه ‏النائبة الشابة، ونسينا جميعًا أو تناسينا‎ ما حدث ‎في الجلسة ‎الافتتاحية للبرلمان، ‎وتحولت أحاديثنا ‎فقط لتلك الفيديوهات المركبة والتي ‏تتغزل في النائبة الشابة.‏

الحقيقة أني لا اعترض على الجمال ولا على أهميته، بل على العكس فأنا ‏ككثيرين ممن يحاولون أن  يتمتعوا بالجمال، ولكن اعتراضي على المبالغة في ‏ذلك والمبالغة في ردود الفعل عندنا نحن المصريين، فنحن الآن لدينا ما يكفينا ‏من المشكلات والعقبات التي تحتاج لعقول واضحة عقول واعية لا تجري وراء تفاهات، ‏فلنجعل انتفاضاتنا واشتعال مواقع تواصلنا الاجتماعي لأخبار ذات قيمة ولأخبار ‏ذات أهمية قد تفيد مجتمعنا الذي على وشك الانهيار، ولنتمسك جميعًا بنظرتنا ‏الواعية للأمور ولا ننجرف وراء تيار لن نجني من ورائه شيئًا، ولنجعل هتافنا دائمًا ‏الشخص المناسب في المكان المناسب ونتغاضى عن المظهر قليلاً. ‏

نحن وفي هذه المرحلة من تاريخ بلادنا، التي أعتقد أنها ستحدد مستقبلنا ‏لفترة طويلة قادمة في أمس الحاجة أن نأخذ المواقف بأسلوب أكثر جدية وأكثر ‏عقلانية وفي حاجة ماسة لوقف موجة الهزل والنكات والألش المبالغ فيه، فلنتعهد ‏جميعًا أن نجعل لسخريتنا حدًا، وأن ننطلق في سباق الحياة بروح جديدة لا تتأثر ‏بالمظاهر، ولنجعل شعارنا في الفترة القادمة لعل وراء هذا المنظر غير المهندم ‏فكر عظيم.‏

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست