مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

عبدالرحمان الأشعاري (المغرب)

كان ضروريا القطع مع مقولة “ليس في القنافذ أملس” التي روّجها كتاب ومفكرون عرب وغيرهم أمثال فرج فودة في كتابه “قبل السقوط” وفؤاد سعيد عشماوي في “الإسلام السياسي”، ونصر حامد أبو زيد في مؤلفه “نقد الخطاب الديني”.

عقب إعلان رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، يوم 10 يوليو/ تموز الجاري عن سقوط ما تسمى “دولة الخلافة” في الموصل، صرّح أكثر من مسؤول عربي وغربي لوسائل الإعلام الدولية، إنّ القضاء على “داعش” لا يعني إطلاقاً القضاء على الإرهاب، وهي عبارة تلمح إلى أكثر من إشارة، ومن ذلك أن المقاربة الأمنية والعسكرية وحدها غير كافية لاجتثاث التطرّف والإرهاب، خصوصا وأن لـ”داعش” وما شاكلها من تنظيمات إرهابية خلايا نائمة موزعة في كل بقاع المعمورة قد تستيقظ متى طلب منها ذلك، ثم تفعل فعلها الإرهابي.
ولهذا، كان لابد من البحث عن مقارباتٍ أخرى، تكون أكثر نجاعة وأكثر فعالية، صحيح أنّ المقاربة الأمنية تحد من انتشار الإرهاب وتوسعه، لكنها لا توقفه ولا تحاصره، ولعل دعم الحركات الإسلامية المعتدلة ومساندتها، حتى تمنع دعاة الفكر الدموي من اختطاف الإسلام وتقديمه للعالم دين تطرّف وكراهية وإرهاب، إحدى أهم المقاربات التي توصلت إليها مؤسسات ومعاهد بحثية غربية، وتحديدا أميركية، وأذكر في هذا الصدد مؤسسة “راند” ومعهد “كارنيغي للسلام” ومعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى.
وتقوم هذه المقاربة على ضرورة أن يجري التصدي للفكر الداعشي الإرهابي على أسس فكرية وعلمية، من خلال فتح الباب أمام الإسلاميين المعتدلين بهدف تفكيكه وكشف عيوبه وفضح عوراته، استنادا لقاعدة الكاتب والأكاديمي السياسي، دانيال بايبس، إن “الإسلام المتطرف هو المشكلة، والإسلام المعتدل هو الحل”.
ولكن لإجراء هذه الفكرة، كان ضروريا القطع مع مقولة “ليس في القنافذ أملس”، التي روّجها كتاب ومفكرون عرب وغيرهم من أمثال فرج فودة في كتابه “قبل السقوط” وفؤاد سعيد عشماوي في “الإسلام السياسي”، ونصر حامد أبو زيد في مؤلفه “نقد الخطاب الديني”، وأيضا “إيمانويل سيفان في كتابه “الإسلام الراديكالي”، وجوديت ميلر في دراستها “تحدّي الإسلام الراديكالي”، ذلك أنّ المرجعية الفكرية التي ينهل منها هؤلاء الإسلاميون، وإن كانت واحدة إلا أنها تختلف على مستوى الفهم والاجتهاد والتطبيق والممارسة، فهي موزعة على أكثر من مسار وصعيد، ففي الخط السلفي وحده يميز الباحثون في الشأن الديني، بين الخط السلفي التقليدي والخط السلفي الحركي والخط الجهادي وهكذا.
ومن المفكرين الغربيين الذين نظروا لهذه الفكرة، أذكر جون سبوزيتو، الذي حذر في مقال له كتبه بعد الأحداث الدامية للحادي عشر من شتنبر/أيلول 2001، تحت عنوان “الإسلام السياسي والسياسة الخارجية الأميركية”، من خطورة الدمج بين الإسلاميين المعتدلين والإسلاميين المتطرفين، مؤكدا أنّ الاختلافات القائمة بين الفريقين حقيقية ولا يمكن القفز عليها، بل إن المسؤول السابق في شعبة “الإسلام المتطرف” بوكالة المخابرات المركزية الأميركية، غراهام فولر، ذهب إلى أكثر من ذلك عندما حذر من استبعاد الإسلاميين المعتدلين من أيّة عملية تحوّل ديمقراطي في العالم العربي، وقال بأنّ ذلك لن يعود بالفائدة إلا على المتطرفين.
ويعتبر الموقف من الديمقراطية وحقوق الإنسان والبرلمان ومن المشاركة السياسية عموما الحد الفاصل بين ما هو معتدل وما هو متطرف، ولذلك عدّ باحثون كثيرون في العالم العربي والغربي جماعة الإخوان المسلمين بأنها تتصف بالوسطية والاعتدال، ومن هؤلاء الباحثان في مركز نيكسون الأميركي، روبرت ليكن وستيفان بروك، اللذان أعدا دراسة تحمل عنوان “الإخوان المسلمون المعتدلون”، أكدا من خلالها على أنّ الإخوان يمثلون اليوم “صمام أمان للإسلام المعتدل المتجدد والمنفتح على مختلف السياقات الحضارية”.
والحاصل أن هذه الحركة وغيرها من الحركات الإسلامية المعتدلة، التي يريد بعضهم تحويلها وبالقوة من خانة الخصم السياسي إلى خانة التنظيمات الإرهابية، هي المعوّل عليها في القضاء على فلول التطرف وتجار القتل والدم، بالنظر إلى أنها تجتمع فيها كل المواصفات والأسباب، وتتوفر فيها كل الشروط التي تؤهلها للقيام بتلك المهمة المصيرية، وبالنظر كذلك إلى أن تصاعد أصوات الدواعش إلى درجة الطمع في تأسيس دولة يعود لأسباب سياسية ودولية، وإلى خطأ في وسائل محاربتها أدت إلى عكس ما كان مطلوبا.

إعجاب تحميل...