725d8580-d77d-41d5-9fbc-df74437557fd.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

بسمة النسور

أحيانا، تجول بك “الجزيرة الوثائقية” في الأمكنة البعيدة، تغوص في أسرارها، وتبرز جمالياتها وتؤكد خصوصياتها، أو تقدّم لك سلسلة فريدة عن عالم الأوبرا المذهل. تبسط أمامك المعلومة، وتجعلها طيّعة، وقد تصحبك إلى مجاهل الغابات، لكي ترصد بعينيك عالم الحيوان المذهل.

أشاهد على “الجزيرة الوثائقية” التي أتابعها بشغفٍ كبير، وانحياز مطلق للدهشة التي توفرها هذه الفسحة المعرفية الجمالية، فيلما رائعاً بترجمةٍ احترافية لنص علمي درامي، لا يخلو من تشويق وإثارة وجدل وشك وأسئلة وجودية، بعنوان “هل من أحد هناك؟”. يتناول بالبحث والتأمل الكون الغامض الفسيح الذي لا يتعدّى وجود كوكبنا المجنون فيه أكثر من ذرة هباء، لا يعوّل عليها، سائرة إلى حتفها بالضرورة. ويرجّح الفيلم نظرية وجود كائناتٍ أكثر ذكاءً على كواكب أخرى، سوف تنظر إلينا بعين الاستصغار والاحتقار حتما، كوننا كائناتٍ بدائية، لم تشبّ عن طوق الحضارة المتقدّمة بعد، ويرصد محاولات البشرية الاتصال بهذه الكائنات، برسائل لاسلكية بثت في الفضاء مرارا، تحمل تحيات سكان الأرض ومحبتهم، ونماذج عن معارفها وفنونها ومنجزاتها، سعيا إلى فرصة حياةٍ ثانيةٍ أكثر عدالة وأقل ظلما ودموية، من دون حصول أي استجابةٍ واضحةٍ يعوّل عليها.
الفيلم الوثائقي البديع نموذج من منتج ثقافي متنوع لأفلام وثائقية رفيعة، أنتجتها وترجمتها المحطة، يتناول كل الاهتمامات لغايات تحفيز العقل العربي، المغيب بفعل المسلسلات الرديئة وبرامج المسابقات الاستهلاكية، وساعات البث المكرّرة.
مصادفةً، وُجدت في جلسةٍ ضمت عدة سفراء عرب، على قدرٍ من الثقافة والاطلاع، أحدهم سفير إحدى دول الحصار على قطر، وهو الحصار المجحف، غير المفهوم للبسطاء. تحدّث السفراء بمرارةٍ عن فشل الدول العربية في إنشاء محطة تعنى بالشأن الثقافي، وتساهم في إحداث نهضة عربية ثقافية طال انتظارها! أوشكت على تصنّع البراءة، والجهل بالأعراف الدبلوماسية، والنطق باسم “الجزيرة الوثائقية” نموذجاً مشرّفا لمحطةٍ عربية حيوية، تبث في كل حقول المعرفة والثقافة والفنون، وتقدّم برامجها للباحثين عن العمق والجدية والتنوير. تارّة تبحر بك في دروب التاريخ، وتقدّم بموضوعيةٍ وتجرّد، سير شخصياتٍ عربيةٍ وعالميةٍ مؤثرة. وأحيانا، تجول بك في الأمكنة البعيدة، تغوص في أسرارها، وتبرز جمالياتها وتؤكد خصوصياتها، أو تقدّم لك سلسلة فريدة عن عالم الأوبرا المذهل. تبسط أمامك المعلومة، وتجعلها طيّعة بين يديك، وقد تصحبك إلى مجاهل الغابات، لكي ترصد بعينيك عالم الحيوان المذهل الأكثر رأفةً من عالمنا الغارق في القسوة والوحشية، فتملك حصيلةً معرفيةً مهمة، تجنّب ذائقتك الوقوع في شرك التفاهة والانغماس في أخبار من تخاصم مع من، ومن أقام حفلا، ومن أصدر ألبوماً هابطاً آخر.
لإدراكي وتفهمي ذعر السفراء، بحكم المنصب، من مواجهة الحقائق، والإقرار بها، ونظراً لمواقعهم الحساسة، حيث الإيماءة محسوبةٌ عليهم، آثرت الصمت. ولا سيما أني أكتب في صحيفة “” المغضوب عليها، شأن “الجزيرة” التي شهدت، منذ الإعلان عن طلب إغلاقها، إقبالا على مشاهدتها غير مسبوق. وبالتالي، تهمة الانتفاع والتكسّب جاهزة لكل من تسوّل له نفسه أن يكتب كلمة حقٍّ في هذا الشأن المعقد، العصي على الفهم لكثيرين. وقد سبق الافتراء على زملاء كثيرين بهذه التهمة البغيضة، فقد أدى خيالٌ مريضٌ لأحد أشرس كتّاب الممانعة، ممن يتمسّحون بقتلة شعوبهم، ويمجّدون فظائعهم، أن يصرّح إن زملاء يقبضون أموالا هائلة في مقابل انحيازهم لثورات الأحرار التي يسمّونها إرهاباً.
تم تغير دفة الحوار في الجلسة الدبلوماسية باتجاه مواضيع أقل تكلفة، كالحنين إلى الأندلس، وأفضل السبل لاستعادتها، استكمالا لانتصاراتنا السياسية والاقتصادية والعلمية. وأيا كانت طروحات رجال السلك الدبلوماسي، فإنها مبرّرة، غير أن المثير للاستهجان تبنّي كتّاب ومفكرين، بحماسةٍ مشبوهة، موقفا يسعى إلى وأد الكلمة، عوضا عن مقارعتها بالحجة والحوار الحر غير المتشنج. وهم أنفسهم من كانوا ضيوفا دائمين على القناة المطلوب رأسها، واكتسبوا شهرتهم بالظهور المستمر على شاشتها، فأرشيفها حافلٌ بتصريحاتهم ذات جنوبٍ لبناني ليس بعيدا، هاتفين شكرا قطر.
ويبقى سؤال “هل من أحد هناك؟” مطروحا على أكثر من صعيد، وبكل الألم الممكن.

إعجاب تحميل...