كان الملك الحسين يغلب الجانب الكاريزمي والموروث الثقافي التاريخي لديه، ويميل إلى المغامرة أحيانا، وتطفو العاطفة على السطح كذلك. أما الملك عبدالله الثاني فذو نزوع واقعي، عقلاني، واضح إلى أبعد الدرجات في حسابات المكاسب الأردنية وتوزينها من كل موقف وسياسة.

تنظر نخب سياسية أردنية إلى “اتفاق عمّان” الأخير، بين أميركا وروسيا والأردن، بوصفه إنجازاً كبيراً، وانتصاراً للدبلوماسية الأردنية، وتتويجاً لحنكة الملك عبدالله الثاني في التعامل مع الملفات الإقليمية المحيطة الملتهبة.
قرّر الاتفاق أجزاء من جنوب سورية، درعا والقنيطرة، وأجزاء من السويداء، بمثابة “مناطق منخفضة التوتر”، وتكريس الهدنة العسكرية فيها. وبذلك يكون الأردن قد تجاوز تحدّياتٍ ومخاطر كبيرة في حال انفجرت المواجهات بين نظام الأسد والمعارضة السورية في درعا، ووضع ديناميكية المناطق الآمنة قيد البدء التي يمكن تطويرها لاحقاً، لتعيد تأهيل الجنوب، ما قد يساعد على عودة اللاجئين وتشغيل خط عمان- الشام التجاري المعطّل، ما أضرّ بالأردن كثيراً، كما يطمح، على الأقل، “مطبخ القرار” في عمّان.
بدأ تنفيذ التفاهمات عملياً، كما تشير الأنباء، بانسحاب المليشيات المؤيدة لإيران والنظام السوري، إلى مسافة 40 كيلومتراً عن الحدود الأردنية، وحضور مراقبين روس لمراقبة تنفيذ الاتفاق، من الجانب السوري، مع الهدوء العسكري الملحوظ منذ الإعلان عن سريان الاتفاق.
يتطابق ذلك كله تماماً مع المصالح الأردنية، ويعكس نجاعة الرؤية الأردنية منذ بداية الأزمة، بتجنب الانزلاق العسكري في المناطق الجنوبية، والتركيز على دعم المعارضة المعتدلة، والمساعدة على تسليحها، في مواجهة طرفين، تنظيم داعش والمليشيات الطائفية الموالية لإيران، ثم الرهان على إمكانية بناء جسور توافق روسي- أميركي على المصالح المشتركة في المناطق الجنوبية، على الأقل، ما أدى إلى هدنةٍ عسكرية استمرت شهورا طويلة، ثم الاتفاق الأخير الذي أطلق عليه اتفاق عمان، وباركه الملك عبدالله الثاني في تغريدةٍ له عبر “تويتر”.
ونجح الأردن في إقناع الإدارة الأميركية بصرف النظر حالياً عن نقل السفارة الأميركية إلى القدس، على الرغم من وعود الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في حملته الانتخابية، وإصراره في بداية عهده، لكنّ جهود الملك شخصياً أقنعته بخطورة الوضع، وقد حشد الأردن إمكاناته الدبلوماسية، ونسّق مع الأطراف العربية المعنية لإنجاح ذلك، وهو ما حدث، وتحقق إنجازٌ مهم آخر.
حتى لو قرأنا الموقف الأردني من الأزمة الخليجية الراهنة، فعلى الرغم من عدم الرضى الملموس في الأردن، عن التطورات الأخيرة، وعن منطق الضغوط التي مورست على الأردن لاتخاذ قرار تخفيض التمثيل الديبلوماسي مع قطر وإغلاق مكتب “الجزيرة”، والشعور المتنامي بعدم منح الأردن الدور المطلوب في اتخاذ القرارات، إلا أنّ هنالك تفهّما واضحاً للخطوة الأردنية المعتدلة، بعدم قطع العلاقات، مع حماية المصالح الوطنية مع السعودية والإمارات، بوصفها منهجاً واقعياً عقلانياً يراعي مصالح الأردن والأردنيين.
دفع الموقف الأردني من الأزمات الإقليمية أوساطا سياسية وشعبية إلى المقارنة بين منهجي الملك الراحل الحسين بن طلال، والحالي عبدالله الثاني، خصوصا تجاه ما يحدث في الخليج، عندما عارض الأول حرب الخليج في 1991، ودخول القوات الأميركية إلى المنطقة، ما حُسب خليجياً حينها انحيازاً للرئيس العراقي السابق، صدام حسين، وهو موقفٌ يعكس، في رأي نخبة سياسية، المكانة المطلوبة للأردن إقليمياً. إلا أن الاتجاه الآخر، وفي طليعته النخبة القريبة من القصر الملكي يردّون بأنّ الأردن كان حليفاً استراتيجياً للعراق الذي مثّل، في الثمانينيات، العمق الاستراتيجي للأردن، وقدّم النفط بأسعار رمزية لنا. أمّا الآن، فالحدود البرية كلها مغلقة، والأردن شبه محاصر بالأزمات، ولم يبق إلا الحدود البرية السعودية منفذا استراتيجيا، وإغلاقها في حال توترت العلاقات بين البلدين كارثة اقتصادية محققة.
يضيف الفريق المؤيد للسياسات الحالية أنّ الملك الراحل دفع ثمناً باهظاً لموقفه الذي أدى إلى عودة مئات آلاف الأردنيين من الخليج، والإضرار بمصالح الأردن، وعمل لاحقاً على إحداث “تحويلاتٍ” كبيرة في السياسة الأردنية، ليعيد العلاقات مع الخليج، ما لم يحدث بوضوح، إلى أن جاء الملك عبدالله الثاني، نهاية 1999.
تبدو الحجج السابقة وجيهة، لكنها لا تخفي اختلافاتٍ جوهريةً في معايير صناعة القرار في السياسة الخارجية الأردنية بين الملكين، الراحل والحالي، فالأول يغلّب الجانب الكاريزمي والموروث الثقافي التاريخي لديه، ويميل إلى المغامرة أحيانا، وتطفو العاطفة على السطح كذلك، أما الثاني فذو نزوع واقعي، عقلاني، واضح إلى أبعد الدرجات في حسابات المكاسب الأردنية وتوزينها من كل موقف وسياسة.