عاث اللاعبون مع المحكمة في الأرض فساداً، ولايرجون إلّا معجزةً تخرجهم من وهدتهم، أو يستبقيهم المناخ العام في سياق مناهضة زيارة المدعية العامة إلى الدوحة، وإثارة الغبار حولها. فهل، يا تُرى، من بعد كفر مصر السيسي وليبيا حفتر، ذنب؟

لم يلبث وفد المحكمة الجنائية الدولية أن اختتم زيارته إلى قطر، حتى بدأت نوبات التكذيب والتشكيك في فحوى الزيارة. ذهب أنّ المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية، فاتو بنسودا، التزمت الصمت منذ حضورها وحتى مغادرتها الدوحة، ألا يكون ذلك كافياً لقراءةٍ بصيرةٍ، لا تحتاج إلى تفنيدٍ في معرض الإثبات.
ماذا يضير بعض وسائل الإعلام العربية من الإشادة التي قدمتها فاتو بنسودا، بإدارة الدوحة الأزمة الراهنة. وماذا يخصم منها عندما تعرب المدعية العامة والمسؤولة القانونية الدولية عن امتنانها للدعم الذي تقدمه قطر للمحكمة الجنائية الدولية؟
لعل الحيرة تأخذ بتلابيب الإعلام المشمّر لبثّ الشائعات والمبرّرات المغلوطة، والمتغافل عن حقيقةٍ معلومةٍ لدى الجميع، وهي أنّ قطر غير مُصادقة على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، إلّا أنّ هناك تعاوناً مستمراً بينها وبين المحكمة، فقد استضافت الدوحة المؤتمر الإقليمي الأول للمحكمة الجنائية الدولية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في 24- 25 مايو/ أيار 2011، كأول مؤتمر إقليمي بشأن المحكمة. وكان ذلك بالتعاون مع جامعة الدول العربية، ومشاركة الوفود رفيعة المستوى من دول المنطقة، حيث وفّر المؤتمر وقتها منبراً للحوار بينها وبين المحكمة.
لم تكن الولايات المتحدة راضية تماماً عن فكرة إنشاء قضاء دولي. ولكن، وحتى يتماشى مع حرصها على مبدأ الشرعية الدولية، أدخلت تعديلاتٍ على النظام الأساسي للمحكمة الجنائية
“مصر وليبيا تتحسّسان رأسيهما، بمحاولتهما الفاشلة في توجيه اتهامات “الجنائية” لغيرهما”

الدولية، ما أضفى عليها طابعاً سياسياً، وجعلها أداة قانونية طبيعية، تختلف بعض الآراء في تقييمها، من حيث مواجهتها الأضعف مثلاً، وترك الأقوى، وبعض الثغرات الأخرى. وبناءً على هذه المعلومة، فإنّ عمل المحكمة، على الرغم من الاختصاص المحدّد، تدخل فيه، بشكلٍ ما، بعض الاعتبارات السياسية. وهذه النقطة مثار خلاف الحقوقيين مع المحكمة، فيسهل وصفها، أحيانا، بأنّها مُسيّسة. وعندما تنفي بنسودا هذه التهمة عن المحكمة، فهذه إشارة إلى أنّها تنوي المُضي في الاتجاه بشأنّ حلّ الأزمات في المنطقة وغيرها، إذا استطاعت أن تخرج عن الهيمنة الأميركية بشكلٍ خاص، وتحرّرت من تحريكها أداة في موازين القوى الدولية. إذن، استشهاد الإعلام المصري المُسيطر على المنطقة وزخّاته الحمضية، والتي ركّزت على حديث بنسودا بتعليقٍ حائر هو في مصلحة حل الأزمة الخليجية، وليس العكس.
لعل الحكومات الديكتاتورية لا تريد التسليم بحقيقة أنّ المحكمة الجنائية مؤسسةٌ قانونيةٌ دستوريةٌ، وليست مؤسسة سياسية. ولهذا، لا تتعامل مع حكومات الأمر الواقع التي ترتكب، بالإضافة إلى تغولها على الديمقراطية، فظاعات أخرى. فقد بدأ سريان العمل في المحكمة بالنظام الأساسي عام 2002م، قائماً على معاهدةٍ ملزمة للدول الأعضاء فيها، كما يمكنها التدخل في حالات ارتكاب جريمةٍ من اختصاصها عند إبلاغها من فردٍ أو منظمةٍ أو حزبٍ أو دولةٍ متضرّرة، مرفقة بأدلة إثبات وقوع الجريمة. أي أنّها لا تُعد كياناً فوق الدول، كما أنّها ليست بديلاً عن القضاء الجنائي الوطني، وإنّما هي مكملٌ له. وهذا يسلّط الضوء على الخلط الذي يتعمّد إعلام بعض الدول بالتشويش به على الرأي العام. وفي حالة عدم توفر الشروط الموضوعة لاختصاص المحكمة، يتم اللجوء إلى مجلس الأمن في الأمم المتحدة، لاتخاذ قراره بالموافقة على إحالة الدعوى إلى المحكمة الجنائية الدولية، أو رفض الدعوى، ويستلزم صدور قرار من مجلس الأمن موافقة الدول الخمس الأعضاء الدائمين في المجلس: الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، فرنسا، روسيا، والصين. ومن حق أي دولةٍ منها استخدام حق النقض (الفيتو).
يمكن إرجاع الفورة الإعلامية اللاهبة من مصر وليبيا بشكل خاص إلى أنّهما تتحسّسان

“تسعى المحكمة إلى التحقيق في قضية الاتجار في البشر بحق مهاجرين عبر ليبيا التي تحولت إلى سوق رقيق”

رأسيهما، بمحاولتهما الفاشلة في توجيه اتهامات “الجنائية” لغيرهما، والتي هي مجرّد تشتيتٍ للأذهان عن الهدف الأساسي، فللبلدين ملفاتٌ مفتوحةٌ في المحكمة الجنائية الدولية. بالنسبة لمصر فكونها غير موقعة على اتفاق روما، لم يكن عائقاً أمام وصول الدعاوى بارتكاب الجرائم إلى المحكمة الجنائية الدولية، فهناك اللجوء إلى مجلس الأمن، لاستصدار قرارٍ بإحالة الدعوى إلى المحكمة، كما حدث في السودان وليبيا.
هناك ملف الاعتداءات على المتظاهرين، خلال أحداث ثورة 25 يناير في 2011، في ما سميت “موقعة الجمل”، وما زالت ملفات المجازر التي ارتكبها نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي بعد انقلابه على الشرعية أمام المحكمة الجنائية الدولية، وتنادي المطالبات بمحاكمة مسؤولين مصريين، متهمين بالتورّط في جرائم قتل خارج نطاق القانون.
أما ليبيا، فقد شهدت جرائم قتل واغتصاب وجرائم ضد الإنسانية، عندما انتفض الشعب الليبي ضد معمر القذافي في عام 2011، وتم ذلك بمعرفة كبار مسؤولي الدولة والقادة العسكريين ضد الثوار. وعندما تقدّم الليبيون بشكواهم أمام مجلس الأمن، وافق المجلس، بمن فيه الأعضاء الدائمون على إحالة معمر القذافي وكبار مسؤولي الدولة، إلى المحكمة الجنائية الدولية. رفضت الحكومة الليبية المؤقتة طلب مجلس الأمن بتسليمهم لمحاكمتهم، وعللت ذلك بأنّها ستحاكمهم أمام القضاء الوطني الليبي. ووفقاً لذلك، سمحت المادة 87 من نظام روما للمحكمة باصدار استنتاجٍ بعدم تعاون ليبيا معها، فجدّدت طلبها بتسليم سيف الإسلام القذافي.
أما الملف الآخر في ليبيا فهو عن عزم المحكمة الجنائية الدولية التحقيق بشأن انتهاكاتٍ ترتقي إلى أن تكون “جرائم حرب” و”جرائم ضد الإنسانية”، ارتكبتها قياداتٌ عسكريةٌ بارزةٌ من قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر في بنغازي. كما تسعى المحكمة إلى التحقيق في قضية الاتجار في البشر بحق مهاجرين عبر ليبيا التي تحولت إلى سوق رقيق، حسب حديث بنسودا أمام مجلس الأمن الدولي.
عاث اللاعبون مع المحكمة الجنائية الدولية في الأرض فساداً، ولا يرجون إلّا معجزةً تخرجهم من وهدتهم، أو يستبقيهم المناخ العام في سياق مناهضة زيارة المدعية العامة إلى الدوحة، وإثارة الغبار حولها. فهل، يا تُرى، من بعد كفر مصر السيسي وليبيا حفتر، ذنب؟