بات من المعلوم من الحياة بالضرورة أن الحق يلزمه إيمان به كما يلزمه قوة تحميه، وأن معرفة الحق والإيمان به لا يكفيان للحصول عليه، وأن الأوائل من المصلحين والمناضلين لم ينتصروا بالإيمان وحده، بل كان للاستعداد والقوة الأثر الأكبر في التمكين للحق الذي يدعون إليه، ومن الطبيعي أن تشترط سنن الواقع أن تكون أدوات القوة والاستعداد مناسبة لكل عصر تستخدم فيه وألا تتخلف عنه.

ومظاهر القوة في عصرنا تختلف عن مظاهرها في العصور الماضية، فمظاهر القوة العسكرية في عصرنا هي امتلاك الطائرات والصوايرخ العابرة للقارات والقنابل النووية والأسلحة المتقدمة بالإضافة إلى تصنيعها، كما تعني قوة الاستخبارات وامتلاك طرق الحصول على المعلومات ونشرها والعبث بها والتحكم فيها إضافة إلى تكنولوجيا وبرامج التجسس، وقوة الاقتصاد تعني امتلاك الشركات الدولية العملاقة التي تتحكم في مسارات الأموال وتؤثر في البورصات كما تتحكم في قرارات التنمية والاستثمار للدول، وقوة الإعلام التي تصنع الرأي العام وتسوق الأفكار وتحاربها وتوجهها بالإضافة إلى قوة المجتمعات المستقرة التي حسمت أدوات الصراع على السلطة فيها، فكل هذه الإمكانيات الهائلة لا تتاح إلا للدول، ولا يمكن أن تتوفر للتنظيمات والتيارات مهما بلغ حجمها تنظيميًا أو انتشارها قاعديًا.

ويعني هذا أنه لا يمكن الدخول في صراعات مع أعداء الأمة والمتربصين بها قبل إقامة دول تمتلك كل أسباب القوة للانتصار في هذا الصراع، وأنه من الفشل أن تخوض التيارات والجماعات هذا الصراع على المستوى العالمي والخارجي، كما يعني أن التغيير يجب أن يكون من الداخل بإزاحة هذه الأنظمة الضعيفة أو إصلاحها وليس كما يفعل تنظيم الدولة أو تنظيم القاعدة بمناطحة القوى العظمى دون امتلاك مقومات الدولة المستقرة والمتماسكة فضلًا عن أن هذه التنظيمات لا تملك مشروعًا حقيقيًا يعبر عن الإسلام الحضاري أو شعوبه المؤمنة.

ولكن أي الطرق نسلك في الداخل لنغير واقع دولنا التابعة والتائهة والمنهكة؟ ثورة أم إصلاح؟

لا توجد إجابة جاهزة ومعلبة، وما يصلح للتغيير في مكان ربما لا يصلح لمكان آخر فلكل بيئة ما يناسبها ولكل مجتمع طريقته في التغيير.

ويجب أن نشير هنا إلى التجربة التركية وأنموذجها الذي أثبت أنه أفضل أنموذج لبناء هذه الدول حتى الآن، حيث اعتمد الأتراك على التغيير المتدرج الذي يحافظ على الدولة متماسكة، وفي نفس الوقت الاستفادة بأدواتها في التغيير، وهنا استطاع الأتراك إحداث التغييرات الجوهرية على طريق الإصلاح والتمكين دون الدخول في معارك تكسير العظام مع أنظمة راسخة في لحظة استضعاف تيار التغيير.

لكن هل طريقة التغيير التركية أصبحت متاحة بعد انتباه الغرب والأنظمة المرتبطة به، وبعد أن قرر الجميع عدم السماح بتكرار التجربة التركية في الشرق الأوسط مهما كلف الأمر؟

هذه أسئلة تحتاج إلى إجابة واضحة بشرط أن تستند هذه الإجابة إلى البحث العلمي والاجتهاد، ولا تكون على طريقة «دعوها فإنها مأمورة» لأن المعجزات من خصائص الأنبياء والحقيقة الدامغة أنه ليس فينا نبي!

وبناء على ما تقدم يلزمنا أن نعيد صياغة نقطة الانطلاق التي تحدد المسار، وحتى لا ننحرف ونمشي في الطريق الخاطئ الذي حدده الخصوم لنا خداعًا وتضليلًا، كما يفعل صائد الفئران وهو يرسم لها بقطع الجبن طريقًا إلى المصيدة!

والمصيدة التي أعني هي تكسير وتحطيم كل مقومات الدولة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بما فيها من قوى حية (إسلامية، ووطنية، ومستقلة).

تلك حرب أسميتُها «حرب التآكل الذاتي» وهي تضمن دوام حالة ضعف الأمة وانشغالها بنفسها، كما تضمن دوام حالة تفوق وسيطرة أعدائها، هذا ما يجب أن ينتبه إليه من يظن أن إيماننا بالحق وحده يسمح لنا بالانتصار، بلا إعداد ودون عتاد يكافئ ما يمتلكه الخصوم، أو على الأقل أن يكون من جنسه ويناسبه.

لقد ذَكَّرَنَا القرآنُ بطوائف عدة كانوا من العاملين للحق ومن المدافعين عن الخير، فمنهم أمة اعتمدت على الإيمان وحده، فَحُفرت لهم الأخاديد وشُويَت أجسادهم في النار، واكتفى أفرادها بثباتهم على الحق فكان هذا انتصارهم، ومنهم أمم استعدت وأخذت بأسباب القوة المناسبة لعصرها، فانتصرت في معركة الدنيا وانتصرت في الآخرة، كما انتصر طالوت وداوود ومن معهم رغم أنهم كانوا قلة.

وعلى جيلنا ألا يكتفي بانتصاره في الآخرة ثم يرضى بأن يُحرق في الدنيا وأن يلقى به في أخاديد النظام العالمي أو الأنظمة المستبدة التابعة له، بل يجب أن تكون مهمتنا هي نهضة وانتصار هذه الأمة على أصحاب الأخدود وإطفاء نيرانهم.