مُلحة نستفتح بها الحديث

في مقدمة كتابه ذائع الصيت – شرقًا وغربًا – «الفخري في الآداب السلطانية»، كتب ابن الطقطقا (ص ص7-8) «والعلم يُزين الملوك أكثر مما يُزين السّوقة، وإذا كان الملك عالمًا صار العالم ملكًا. وأصلح ما نظر فيه الملوك ما اشتمل على الآداب السلطانية والسير التاريخية المطويّة على ظرائف الأخبار، وعجائب الآثار، على أن الوزراء كانوا قديمًا يكرهون أن الملوك يقفون على شيء من السير والتواريخ خوفًا أن يتفطّن الملوك إلى أشياء لا يحب الوزراء أن يتفطّن لها الملوك.

طلب المكتفي من وزيره كتبًا يلهو بها ويقطع بمطالعتها زمانه، فتقدم الوزير إلى النواب بتحصيل ذلك وعرضه عليه قبل حمله إلى الخليفة، فحصّلوا شيئًا من كتب التاريخ وفيها شيء مما جرى في الأيام السالفة من وقائع الملوك، وأخبار الوزراء ومعرفة التحيّل في استخراج الأموال. فلمّا رآه الوزير قال لنوابه: والله إنكم أشد عداوة لي، أنا قلت لكم حصّلوا له كتبًا يلهو بها، ويشتغل بها عني وعن غيري، فقد حصّلتم له ما يُعرّفه مصارع الوزراء، ويُوجده الطريق إلى استخراج المال، ويُعرّفه خراب البلاد من عمارتها. رُدّوها وحصّلوا له كتبًا فيها حكايات تلهيه وأشعار تُطربه.

وكانوا يكرهون أيضًا أن يكون في الخلفاء والملوك فطانة ومعرفة بالأمور. لمّا مات المكتفي عزم وزيره على مبايعة عبد الله بن المعتز، وكان عبد الله فاضلًا لبيبًا محصّلًا، فخلا به بعض عقلاء الكتّاب وقال له: أيّهذا الوزير، هذا الرأي الذي قد رأيته في مبايعة ابن المعتز ليس بصواب. قال الوزير: كيف ذلك؟ قال: أي حاجة لك أن تُجلِس على سرير الخلافة من يعرف الذراع والميزان والأسعار ويفهم الأمور ويعرف القبيح من الحسن ويعرف دارك وبستانك وضيعتك؟ الرأي أن تُجلس صبيًا صغيرًا، فيكون اسم الخلافة له ومعناها لك. فتربّيه إلى أن يكبر، فإذا كبر عرف لك حق التربية، وتكون أنت قد قضيت أوطارك مدة صغره. فشكره الوزير على ذلك وعَدل عن عبد الله بن المعتز إلى المقتدر وعمره يومئذ ثلاث عشرة سنة» اهـ.

الهدي النبوي في اختيار الأصلح للولاية

ذكر الإمام الحاكم النيسابوري في المستدرك على الصحيحين، كتاب الأحكام، أحاديث في جزاء من يُولِّي على الناس من ليس بخيرهم، وهو يعلم.

حديث 7021/19 عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قلتُ يا رسول الله: أمّرني. قال: «الإمارة أمانة، وهي يوم القيامة خزي وندامة إلا من أمر بحق وأدّى بالحق عليه فيها».

حديث 7023/21- عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من استعمل رجلًا من عصابة، وفي تلك العصابة من هو أرضى لله منه فقد خان الله وخان رسوله وخان المؤمنين». حديث صحيح الإسناد، لم يخرجه الشيخان.‏

حديث رقم 7024/22- عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: قَالَ لِي أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ بَعَثَنِي إِلَى الشَّامِ: يَا يَزِيدُ، إِنَّ لَكَ قَرَابَةً عَسَيْتَ أَنْ تُؤْثِرَهُمْ بِالْإِمَارَةِ ذَلِكَ أَكْثَرُ مَا أَخَافُ عَلَيْكَ، فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَحَدًا مُحَابَاةً فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا حَتَّى يُدْخِلَهُ جَهَنَّمَ». حديث صحيح الإسناد، لم يخرجه الشيخان.‏

لكن كيف نعرف خيرهم لنختاره؟

لعله لا يوجد مسلم لم يسمع بحديث الأحق بالإمامة، الذي يحدد تراتبية شروط اختيار الإمام. جاء في سنن الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء من أحق بالإمامة.

235- عن أبي مسعود الأنصاري، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يؤم القومَ أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسُنة، فإن كانوا في السُنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سنًا…».

والنظرة السطحية للحديث تستدل بأن الإيمان هو المعيار، وأن الاختيار في ولاية أي أمر لا بد أن يقع على أهل الصلاح الديني، لكن النظرة العميقة سترى أنه عليه الصلاة والسلام قد حدّد ثلاثة معايير تراتبية تقوم على الكفاءة، ثم إن استووا يُقدَّم الأكبر سنًا.

إذًا فالمعيار الإسلامي هو الكفاءة، ثم الكفاءة، ثم الكفاءة، ثم السن.

وقراءة القرآن بوصفها معيارًا للكفاءة إنما كانت في إمامة الصلاة، لأن القراءة ركن في الصلاة، فليست معيارًا تفاضليًا عامًا في الإمامة الكبرى والحكم، بدليل أنه كان يؤم المسلمين للصلاة العبيد والموالي. وقد ورد عن السيدة عائشة أنه كان يؤمها عبدها ذكوان من المصحف، وأورد الإمام البخاري في صحيحه، كتاب الأذان، باب إمامة العبد والمولى، أن سالم مولى أبي حذيفة كان يؤم المهاجرين الأولين قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وكان أكثرهم قرآنًا.‏

الكفاءة وإلا غرقت السفينة

لقد أطلت نقل الفقرة التي تحكي ما فعل وزير المكتفي بالله كاملة من كتاب ابن الطقطقا، لأنه ما أشبه اليوم بالبارحة، ليس في الشرق وحسب، بل وفي الغرب في أحايين كثيرة، حيث يتكاتف رجال الدولة لأجل تولية شخص ويرغبون فيه لأنه أعزكم الله، لا عقل له! يسهل قياده، ويمكن التمول في عهده، بينما يُفترض في العقلاء أن يُراعوا المصلحة الاجتماعية المشتركة، لا مصالحهم الخاصة، وعندما يتخيّرون حاكمًا لا يختارون أحمق يُغرق السفينة بل يختارون من يصلح للقيادة.

وحديث السفينة التي أراد من يركبون في نصفها الأسفل خرقها، وأن في هذا هلاكًا لهم ولمن يركبون أعلاها إن لم يضربوا على أيديهم، حديث شهير، أورده كبار الأئمة في صحاحهم عن النعمان بن بشير؛ كالبخاري والترمذي وأحمد والبيهقي وابن حبّان. ولا يفهم من يتدبره أنه خاص بوجوب زجر من لا ‏يراعون الحدود التشريعية التي أوجب الله عقابًا دنيويًا لمن يتعدونها، بل هو أمر عام بوجوب الضرب على أيدي المفسدين فيما يخص كل ما ‏حدّه الله لعباده، ومما حدّه تعالى ورسوله لهم أن يختاروا الأكفأ للولايات، وإلا غرقوا جميعًا.‏

دور الإعلام الفاسد

ودور الإعلاميين المنافقين في إعداد الخطب للرؤساء الفاشلين، والترويج لمشاريعهم الوهمية، وتخدير الوعي الشعبي، وتخوين أي فكر مخالف، و… هو دور أوضح من أن يحتاج شواهد للتدليل عليه.

في عالمنا العربي لا يدع الإعلام فرصة لتسليط الضوء على شخصية لها احترامها بحيث يراها الناس أهلًا للثقة والانتخاب، بل يسعى رجال الإعلام لأجل تشويه صورة أي شخص يمتلك مهارات وكفاءات تؤهله للحكم، ويروّجون في المقابل لصلوحية شخص للحكم قد لا يأتمنه من يعرفه على إدارة مقهى!

والغرب قد يشبه الشرق أحيانًا!

الغريب أن أكثر الدول المتقدمة مشابهة لعالمنا العربي في تآمر وتحكم رجال السياسة والمخابرات، وفي دور الإعلام التغييبي للشعوب هي الولايات المتحدة الأمريكية التي تُعتبر زعيمة العالم المتقدم! فهناك التوجه ذاته، بضرورة اختيار رئيس ليس أكثر من واجهة، يسهل على أعضاء مكتبه وجهاز المخابرات وغيرهم تحريكه.

قرأت ذات مرة تقريرًا عن فترة حكم الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريجان أنه كان مشتهرًا عنه أنه يستقبل رجال الدولة من كل أنحاء العالم، يظهر الاستماع إليهم، ويظل مبتسمًا طيلة اللقاء، ثم يُنهي اللقاء بأن يصافح ضيفه، دون إعطائه أي رد! وأنه كان معلومًا للجميع أن هذا اللقاء يتم تسجيله ليتولى مساعدو الرئيس واللوبي العامل حوله إعداد الرد بعد ذلك وإخطار الضيف به!

ومن هنا نفهم لماذا ينجح الجمهوريون في الوصول إلى الحكم أكثر من الديمقراطيين؛ إذ يبدو أن نموذج الرئيس الدُمية قد راق للمتنفذين في الشأن السياسي الأمريكي، ورأوا أن الحزب الجمهوري أكثر سلاسة في اختيار مرشحين طيّعين، بينما الديمقراطيون لا يأتي من حزبهم إلا من يريد أن يصبح رئيسًا بحق (كينيدي – كارتر – كلينتون – أوباما)، فتزيد المصادمات معهم، فكينيدي قُتِل، وكارتر تم احتجاز رهائن أمريكيين وقت الانتخابات ولم يُفرج عنهم إلا بعد التأكد من سقوطه في انتخابات ترشحه للفترة الرئاسية الثانية، وكانت هناك إشارة لدور مخابراتي في هذا الاحتجاز، وكلينتون حدثت له فضيحة شهيرة يبدو أنها كانت مدبّرة لأجل ألّا ينجح في فترة رئاسة ثانية، ولكن الازدهار الاقتصادي في عهده خيّب آمال من أرادوا إسقاطه، فأعاد الأمريكيون انتخابه، أما أوباما فكان ألينهم وأكثرهم حرصًا على استكمال فترتيْ رئاسته، حتى لو صار دمية كالدُمى الجمهورية.

وطالما بقيت سطوة الإعلام قادرة على تغييب شعوبنا، وطالما بقي رجال بلاط يُقدِّمون مصالحهم الخاصة على مصلحة المجتمع، فسيبقى دائمًا وأبدًا يحكمنا أراذل خلق الله.