إننا إذا تأملنا الظاهرة الدينية بما تحمله من تصورات وأفكار لوجدنا أنها وقبل كل شيء ظاهرةٌ فنية جمالية.

فحقائق الدين الكبرى التي تندرج تحتها ما سواها من تفصيلات، مستمدة من رؤية جمالية لواقع الكون وانبهار بفنه وتناغم صنعته.

وحين نقرأ آيات القرآن التي تحدثت عن خلق الكون نجدها استندت في إثبات وجود الله وفي إثبات عظمته وقدرته وفي إثبات البعث بعد الموت، استندت في هذا وغيره على حقائق جمالية، منبثقة من تأمل فني، يدرك المعاني الجميلة، ويفهمها، ويتلقاها بعقل منفتح، وقلب منفطر شوقًا وحبًا وخشية.

ففي سورة آل عمران نجد الآيات تصور حقائق الكون كما يتلقاها «أولو الألباب».

«ولله مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيٍء قَدِير. إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الَألْبَاب. الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِم، وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ؛ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار».

ونرى في سورة فاطر لوحة فنية تصور مشاهد سريعة متفرقة، ترسمها الحروف بإيقاع موسيقيّ سريع: «أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفَاً أَلْوَانُهَا، وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُود. وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ، إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُور».

وهذا الأسلوب القرآني في تحقيق الحقائق الدينية كان دائمًا يتورع عن الدخول في منحنيات الجدل والسفسطة، وحَوَارِي المناقشات التي تخاطب طبيعة الإنسان العقلية دون ملامسة باقي ملكاته وانفعالاته الوجدانية. فالإيمان ليس مجرد فكرة مجردة أثبتها الذهن في إطار المناقشات الفلسفية العقيمة، وإنما هي فكرة تمثّلت معانيها حية في وجدان النفس البشرية وفي واقعها الحي وفي تفاعلاتها مع الطبيعة.

يقول الأستاذ سيد قطب: «لقد عمد القرآن دائمًا إلى لمس البداهة، وإيقاظ الإحساس، ليَنفُذ منهما مباشرة إلى البصيرة، ويتخطاهما إلى الوجدان. وكانت مادته هي المشاهد المحسوسة، والحوادث المنظورة، أو المشاهد المُشخصة، والمصائر المصوِّرة. كما كانت مادته هي الحقائق البديهية الخالدة التي تتفتح لها البصيرة المستنيرة، وتدركها الفطرة المستقيمة.

أما طريقته فكانت هي الطريقة العامة: طريقة التصوير والتشخيص، بالتخييل والتجسيم.


وكان هذا هو المنطق الوجداني الذي جادل به القرآن وناضل، وكسب المعركة في النهاية».

[التصوير الفني في القرآن 229].

فعندما أراد القرآن أن يُثبت حقيقة البعث لدى منكريه صوَّر لهم ذلك من خلال صور حسية يَتَمَثَّلُها في نفسه كلُّ ذي ذوقٍ أدبي ومنطقٍ عقلي يقول القرآن:

«يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِن تُرَابٍ، ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ، ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ، ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ، لِنُبَيِّنَ لَكُمْ، وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى، ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا، ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ، وَمِنكُمْ مَن يُتَوَفَّى، وَمِنكُم مَن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا. وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً، فِإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا المَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيج. ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ، وَأَنَّهُ يُحْيِي المَوْتَى، وَأَنَّهُ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِير. وَأَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي القُبُور».

فالآيات تستدل على قدرة الله على إحياء الموتى وإمكانية ذلك بصور الطبيعة التي نتلقاها وننفعل معها بشكل متكرر من خلق الإنسان ابتداءً من تراب متنقلًا في أطوار تكوينه الجنيني ثم في مراحل حياته من طفولة وشباب وموت. ويستشهد بالقدرة الإلهية على إحياء الأرض الميتة التي لا زرع فيها «فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج».

وهكذا رسم القرآن منطقية البعث لا بصورة جدلية تتعامل مع حقائق ذهنية جامدة، إنما بصورة فنية مليئة باللفتات الحية، والحركة المنتظمة، والتناغم الموسيقي الرائع، والانسجام الحي بين حقيقة الدين وحقيقة الطبيعة، وبين عالم الغيب وإشارات عالم الشهادة.

وبهذا انبنى الدين في حقائقه وتصوراته على الجمال. وكان الأسلوب الفني هو الأسلوب الأمثل لتقرير الحقائق الدينية، على أن تكون مادة هذا الأسلوب هي حقائق الطبيعة التي تدركها أدوات العقل ووسائله الاستنباطية.

فالإيمان بالله هو الإيمان بأن الكون في دقائقه وكلياته مسخر نحو غاية وهدف. والمؤمن هو ذلك الذي يستنبط من صور الطبيعة تلك المعاني التي يستلهم بها صفات خالقه الرحيم البديع الودود الرؤوف «رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار»، «مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُت. فَارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُور. ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِير».

يقول الأديب مصطفى صادق الرافعي: «ولو لم تكن في الأرض هذه الوجوه الجميلة لما صلحت الأرض للحياة العاقلة، ولا نشأ فيها عقل واحد يستطيع أن يجد دليلًا على وجود الله. فإن تلك الوجوه الفتانة – بما تحوي من المعاني التي تشبه في إقناعها من النظرة الأولى ما تحويه أقوى البراهين المنطقية – إنما هي في الحقيقة الصفحات الأولى من كتاب المنطق الإلهي؛ واعتبر ذلك بهؤلاء الملاحدة الذين ينكرون الخالق. فإن أخبثهم إلحادًا لا يكون إلا أشد الناس بُغضًا لطهارة الجمال» [حديث القمر 52].

 

ويقول مُناجيًا القمر: «وليت شعري ماذا يراك الملحد أيها القمر؟ إنه لا موضع في قلبه للحب؛ لأن الحب مؤمن، ولا مظهر في نفسه للجمال؛ لأنها مظلمة يَسطع فيها جمال الشمس ولا يجاوز في عينيه جمرة تلتهب أو قُرصًا من السّرجين يشتعل؛ وهو في حالة لا يعرف هناء الفكر حتى يفكر في الهناء؛ بل هو كعالم التشريح: ينتظر كل يوم من القدر جثة هامدة ليُخرج منها برهانًا على حقيقة في علمه أو حقيقة لبرهان، فما أنت أيها القمر في رأي عينه على ما أنت إلا حجر.

أيها القمر، كن لهم كما وصفوك، حتى إذا كفر بالله ملحد ألقمه الله منك (حجرًا) وكنت للطبيعة وجه الحقيقة والإيمان كما أنت وجه الحب والجمال». [حديث القمر 64].

وهكذا استطاع الرافعي أن يصور أدبه بأسلوب إيماني، بل إيمانَه بأسلوب أدبي. فلولا إيمانه لما كان أدبه، فلا يتحقق الصدق في الجمال إلا بالصدق في الإيمان.

ولذلك نرى أن القرآن هو ذلك التعبير الإلهي عن جمال المنهج بأسلوب ينشد العقل، ليس بالصورة الجامدة التي اعتادها الفلاسفة والمتكلمون، ولكن بأسلوب يملك على النفس البشرية كل ملكاتها، ويتوجه بخطابه للإنسان بكل أبعاده، وليرسم له منهجًا متزنًا صالحًا لإنسانية الإنسان، وقابلًا للتفاعل مع الطبيعة بأسلوب حي ومتجدد.

يقول الأستاذ سيد قطب: «وقد لاحظنا أن التعبير القرآني يؤلف الغرض الديني والغرض الفني فيما يعرضه من الصور والمشاهد. بل لاحظنا أنه يجعل الجمال الفني أداة مقصودة للتأثير الوجداني، فيخاطب حاسة الوجدان الدينية بلغة الجمال الفنية. والفن والدين صنوان في أعماق النفس وقرارة الحس. وإدراك الجمال الفني دليل استعداد لتلقي التأثير الديني، حين يرتفع الفن إلى هذا المستوى الرفيع، وحين تصفو النفس لتلقي رسالة الجمال». [التصوير الفني في القرآن 143، 144].

فالإيمان ليس فقط إثباتًا عقليًا مجردًا لحقيقة وجود الله، وإنما هو إثبات عقلي منفعل مع ملكات النفس الجمالية، يستحيل بعده الإنسان مثالًا حيًا نابضًا بتلك الحقيقة، منفعلًا معها بكل جوانب كينونته البشرية.

فجمال الكون يدلنا على جمال خالقه، والله هو التمثل الكامل لصفات الجمال التي بثها في جنبات الكون.

وأختم بما قاله جمال البنا بهذا الصدد: «والحق أن الجمال من أكبر نعم الله على الإنسان. وهو يثبت – بالإضافة إلى وجود الله تعالى – كرمَه وقدرتَه على خلق كل هذه الصور من الجمال الفائق الرائع في الطبيعة والنبات والإنسان نفسه، فمن ذا يكون له الكرم والاستغناء والتفضّل بحيث يُقدّم كلَّ هذه المشاهد مجانًا ودون مقابل، ودون ثمن تذكرة لمشاهدتها غيرُ الله تعالى. وهو أيضًا يدلُّ على أن الله تعالى أراد للإنسان وجودًا حضاريًا يتحقق له فيه هذا العنصر الثمين، وسخر له مشاهده في الكون وفي الأرض. ولولا تلك اللمسة من الجمال التي غرسها الله تعالى في الإنسان ويسرها له في الأرض لعاش كالحيوان، ولما كان هناك حاجة إلى اللبس الأنيق والسكن الجميل أو عالم الآداب والفنون الفسيح بما فيه من موسيقى وشعر ورسم». [أسس العقيدة 68].